2026-05-22

حديث الليل مع الله


 

دكتور محمد العوادي 

في زحام الحياة، وبين ضجيج الأيام وتقلبات البشر، يبقى للعبد بابٌ لا يُغلق، ومأوى لا يخيب، وركنٌ هادئ يأوي إليه القلب إذا أثقلته الدنيا وأرهقته الهموم. ذلك الباب هو باب الله، وذلك اللقاء الخفيّ في جوف الليل هو من أعظم ما يُرزق به الإنسان من نفحات الرحمة والسكينة.

إن مخاطبة الله في الخفاء ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي حالة من الصفاء الروحي، يشعر فيها المرء أنه يتجرد من أثقال الدنيا كلها، فلا يبقى بينه وبين خالقه إلا قلب منكسر، وروح ترجوه، وعين ربما أثقلها الدمع من شدة الرجاء. وفي تلك اللحظات الصامتة، يولد في القلب يقينٌ عجيب بأن الله يسمع، ويرى، ويعلم ما تُخفيه الصدور قبل أن تنطق به الألسنة.

وليس الليل وقتًا عابرًا في حياة المؤمن، بل هو زمن الصفاء والصدق، حين تهدأ الأصوات وتغفو العيون، فيبقى الصادقون وحدهم يناجون ربهم في سكون عظيم. لذلك كان الحنين إلى الله بعد منتصف الليل عادة العارفين، لأن القلب في تلك الساعة يكون أبعد عن الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، وأكثر استعدادًا للبكاء والتضرع والاعتراف بالتقصير.

ومن أعظم العطايا أن يرزق الله العبد قلبًا يستحي أن يمر الليل دون صلاة أو دعاء أو سجدة خفية لا يعلم بها أحد. فالقيام ليس مجرد عبادة تؤدى، بل هو دليل حياة القلب، وعلامة شوق الروح إلى خالقها. وما أجمل أن يشعر الإنسان أن له موعدًا ثابتًا مع الله، يفرّ إليه كلما ضاقت به الأرض أو أثقلته متاعب الحياة.

وفي الليل سرّ لا يعرفه إلا من ذاقه؛ سكينة تتسلل إلى النفس، وطمأنينة تغمر القلب، ورحمة يشعر معها الإنسان أن الله قريب منه، يسمع نجواه، ويجبر كسره، ويمسح عن روحه تعب الأيام. لذلك كان أهل القرب من الله يحرصون على نصيبهم من الليل كما يحرص العطشان على الماء، لأنهم أدركوا أن الأرواح لا تحيا حقًا إلا بالقرب من خالقها.

فاجعل لنفسك لحظة خالصة في الليل، ولو قصيرة، تناجي فيها الله بعيدًا عن أعين الناس وضوضاء الدنيا. فربّ سجدة في ظلمة الليل غيّرت حياة إنسان، وربّ دعوة خرجت من قلب صادق فتحت أبواب الرحمة والفرج، وربّ دمعة خفية كانت سببًا في راحة قلب طال تعبه.

إن الليل ليس ظلامًا كما يراه الناس، بل قد يكون نورًا للقلوب التي عرفت طريقها إلى الله.

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

تحفه جدا ماشاء الله