دكتور محمد العوادي
حين تتحول الكرة إلى صناعة للوهم:
لم تعد كرة القدم في زماننا مجرد لعبة يتابعها الناس للتسلية أو الترفيه العابر، بل تحولت ــ بفعل الإعلام والترويج المستمر ــ إلى حالة من التضخيم المبالغ فيه، حتى أصبحت وكأنها القضية الأولى التي تشغل العقول وتستنزف الأوقات وتستحوذ على اهتمام الجماهير ليلًا ونهارًا.
فأينما اتجهت، وجدت الحديث نفسه يتكرر بلا انقطاع؛ برامج لا تنتهي، واستوديوهات تحليل تمتد قبل المباراة وبعدها، وجدالات عقيمة حول انتقال لاعب، أو خلاف داخل ما يسمى “أوضة اللبس”، أو تصريحات لاعب ومدرب، وكأن الأمة قد فرغت من همومها ومشكلاتها الكبرى، ولم يعد يشغلها سوى فوز فريق أو خسارته.
والمؤسف أن المشكلة الحقيقية ليست فقط فيمن يصنعون هذه الضوضاء الإعلامية ويروجون لها، بل فينا نحن، حين سمحنا لأنفسنا أن ننحدر إلى مرتبة “الجماهير” التي تعيش وتغضب وتفرح لأجل كيانات لا تعرف عنها شيئًا، ولا تشعر بها أصلًا.
كيف قبل الإنسان أن يختزل ذاته وعمره ووقته في متابعة مباريات وتحليلات وجدالات لا تعود عليه بأي نفع حقيقي؟
إن المتأمل في هذا المشهد يدرك أن كرة القدم لم تعد مجرد رياضة، بل أصبحت صناعة ضخمة قائمة على استنزاف العاطفة الجماهيرية وتحويلها إلى أرباح هائلة.
فاللاعب الذي يتقاضى عشرات الملايين لا يدفع له هذا المال من فراغ، وإنما من جيوب جماهير بسيطة قد لا يجد كثير منها قوت يومه بسهولة، ثم يخرج ذلك اللاعب مطالبًا بالمزيد، رافضًا التجديد إلا بمضاعفة العقود والأرقام، في مشهد يكشف إلى أي حد تحولت الرياضة إلى تجارة عملاقة لا علاقة لها بالقيم أو الانتماء الذي يروجون له.
أما ما يسمى بالنقاد الرياضيين، فكثير منهم لا يعيش إلا على إشعال الجدل وصناعة الضجيج، حتى أوهموا الناس أنهم أصحاب رسالة عظيمة، بينما الحقيقة أنهم جزء من منظومة تستفيد من بقاء الجماهير في حالة انشغال دائم بتفاصيل تافهة لا تقدم للإنسان علمًا ولا تبني له عقلًا ولا ترتقي بواقعه.
ولو أن الإنسان جرّب يومًا أن يبتعد عن كل هذا الصخب؛ فلا مباريات، ولا برامج ليلية، ولا متابعة مرهقة لكل ما يدور في عالم الكرة، لاكتشف كم من الوقت كان يهدره بلا جدوى، وكم من الطاقة النفسية كان يستنزفها في أمور لا تغير من حياته شيئًا.
إن أخطر ما في الأمر أن التعلق المفرط بهذه الصناعة الوهمية لا يسرق المال والوقت فقط، بل يخلق حالة من التبعية الفكرية والانقياد العاطفي، حتى يصبح الإنسان أسيرًا لنتيجة مباراة أو قرار حكم أو انتقال لاعب، وكأن مصيره الشخصي معلق بكل ذلك.
وما أحوج الإنسان اليوم إلى أن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يدرك أن العمر أثمن من أن يضيع في متابعة صخب لا ينتهي، وأن العقل خُلق لما هو أسمى من الجدل حول لعبة مهما حاولوا تضخيمها ومنحها أكبر من حجمها الحقيقي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق