دكتور محمد الشافعي
حين أخلو إلى نفسي، وأُسدل ستار الصخب عن العالم، وأترك للذاكرة أن تفتح دفاترها القديمة، أجدني أسير في ممرٍّ طويل تتعاقب فيه الوجوه والسنوات، كأنني أُشاهد شريطًا ممتدًا لحياة رجلٍ واحد… لكنه في الحقيقة كان رجالًا كثيرين.
أتذكر الطفل الصغير الذي كان ينظر إلى الدنيا بعينٍ ممتلئة بالدهشة، ويجري خلف أحلامه البريئة دون أن يعرف شيئًا عن قسوة الطرق أو تقلُّب القلوب. ثم أرى الفتى الذي اندفع إلى ميادين الرياضة منذ العاشرة من عمره، يحمل الحماسة في عروقه، ويؤمن أن الإرادة وحدها قادرة على صنع المجد. كان جسده يركض في الملاعب، لكن روحه كانت تركض نحو إثبات الذات، ونحو اكتشاف ذلك العالم الرحب الذي ينتظر الإنسان خارج حدود الطفولة.
ثم تأتي مرحلة الجامعة… تلك المرحلة التي لا تزال تفاصيلها حيّة في الذاكرة، كأن الزمن عجز عن محوها. الوجوه، القاعات، الكتب، النقاشات، الضحكات، الطموحات، البدايات الأولى للنضج الفكري والإنساني… كلها ما زالت تتحرك داخلي كأنها حدثت بالأمس. هناك تشكّل وعيٌ جديد، وبدأت الشخصية تكتسب عمقًا آخر، أكثر اتزانًا وأكثر احتكاكًا بالحياة.
ثم جاء التخرج، والعمل، والبدايات الشاقة في طريق العلم؛ معيدًا يحمل بين يديه أحلام المستقبل، ثم باحثًا يطارد المعرفة بين سطور الماجستير والدكتوراه، حتى صار العمر سلسلة طويلة من التجارب والخبرات والانتصارات والانكسارات الصامتة.
لكن الأمر الذي يثير دهشتي كلما استعدت تلك الرحلة، أن كل من عاش هذه المراحل كان يحمل الاسم ذاته: محمد الشافعي… ومع ذلك لم يكن الشخص نفسه تمامًا.
فكل مرحلة كانت تُنبت داخل الإنسان روحًا جديدة، وملامح مختلفة، وطرائق أخرى في النظر إلى الحياة. نعم، هناك خيط خفيّ يصل بين الجميع، وكأن الشخصيات المتعاقبة كانت تُكمل بعضها بعضًا، وتُهذّب ما سبقها، وتبني فوقه طبقة جديدة من الفهم والخبرة، لكن الحقيقة المؤكدة أن الإنسان لا يبقى كما هو أبدًا.
تمر السنوات، فتتغير الأحلام، وتتبدل ردود الأفعال، وتتساقط أشياء كنا نظنها جزءًا أصيلًا من أرواحنا. بعض التحولات يكون نضجًا محمودًا، وبعضها يكون تعبًا متراكمًا، وبعضها الآخر يشبه انسحابًا هادئًا من ضجيج العالم.
واليوم، وأنا على أعتاب الستين، أنظر إلى نفسي فأجد شخصية لم أكن أتوقع يومًا أن أصل إليها. شخصية أقل اندفاعًا، وأكثر صمتًا، وأكثر ميلًا إلى العزلة والتأمل. شخصية تقف وكأنها على حافة جبل مرتفع، تُحدق في هذا العالم المشوش بإرهاقٍ عميق، لا رغبة لها في الصخب، ولا قدرة لها على الاحتمال كما كانت من قبل.
ولست أنكر أنني أحببت كثيرًا من الشخصيات التي سكنتني عبر العمر، خاصة تلك التي عاشت من الطفولة حتى نهاية الماجستير؛ كانت أكثر امتلاءً بالحياة، وأكثر تصالحًا مع الناس والأحلام. أما هذه الشخصية المتأخرة، فأنا أتقبلها على مضض، لا لأنني أكرهها، بل لأنني أشعر أنها وُلدت من كثرة ما رأت، وكثرة ما احتملت، وكثرة ما خاب ظنها في أشياء كانت تؤمن بها يومًا.
لقد أحببت كثيرين في حياتي، وأحبني كثيرون، وحملت الود الصادق لقلوب عديدة. لكنني في الوقت نفسه تأذيت من تصرفات أناسٍ ظننتهم أقرب من الأذى، فاكتشفت أن الإنسان كلما تقدّم به العمر، صار أكثر حساسية تجاه الزيف، وأكثر ميلًا إلى الانسحاب من العلاقات المرهقة.
وربما لهذا السبب يصبح الإنسان في مراحله الأخيرة أكثر هدوءًا، لا لأنه فقد المشاعر، بل لأنه أدرك أن روحه لم تعد تحتمل الضجيج ذاته، ولا الخيبات ذاتها.
إن العمر لا يغيّر ملامح الوجه فقط، بل يعيد تشكيل الروح من الداخل. وكل مرحلة نعيشها تترك بصمتها علينا، حتى نصبح في النهاية مجموعة من النسخ المتراكمة داخل إنسان واحد؛ طفلًا لم يمت، وشابًا لم يختفِ، ورجلًا أتعبته الحياة، وحكيمًا ينظر إلى الدنيا بعينٍ أكثر عمقًا وأقل اندهاشًا.
وهكذا نمضي… لا كشخصٍ واحد ثابت، بل كحياة كاملة من الشخصيات التي تسكن اسمًا واحدًا وقلبًا واحدًا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق