دكتور محمد الشافعي
سراب البحر الذي لا شطّ له
ما أعجب هذه الدنيا! بحرٌ بلا شطّ، يتهادى في أفقٍ خادعٍ يلوح لنا كأنه الأمان، فإذا اقتربنا منه تلاشى الشطّ وبقي الغرق. نبحر فيها فرحين بموجات لذّاتها، ثم لا نلبث أن ندرك أن الموجَ لا يحملنا إلى برّ، بل يدوّرنا في دوامةٍ من زهوٍ كاذبٍ لا يورث إلا الخيبة.
نُصدقها — يا للعجب — نُصدّق هذا السراب، ونقنع أنفسنا أن المتاع الباقي فيها لا يفنى، وأن اللقاء الأجمل ينتظرنا بين أمواجها، وأن الوفاء الأعظم سيولد في رمالها! لكننا نُخطئ الحساب، فالوفاء الأعظم لن يولد قط، لأن النفوس التي تبتلّ بماء الدنيا سرعان ما تجفّ إذا حان أوان الحقائق.
ما أكثر ما تُغوينا الألوان الباهرة والأصوات الفاتنة، فتأخذنا نشوة المتع فننسى أن العمر زائل، وأن النفس ما خُلقت للبقاء. كل ما حولنا يلمع كالجواهر، غير أن بريقه من نارٍ لا من نور، وسرعان ما ينطفئ حين نقترب منه بصدق النظر.
نعم، قد تبقى متع الدنيا، تلوّح لمن يأتي بعدها كما لو أنها لم تزل في أوجها، لكنها تبقى بغيرنا، تستهلك أرواحًا غير أرواحنا، وكأنها تقول في سخريةٍ خفيّة: “أنتم العابرون، وأنا الباقية لأُغري من بعدكم.”
فيا من غرق في بحرٍ لا شطّ له، أفق قبل أن يبتلعك الموج الأخير؛ فالسعادة الحقّة لا تُصاد من ماءٍ مالح، بل تُستخرج من ينابيعٍ خفيّةٍ في القلب، لا تراها الأعين ولكن تعرفها الأرواح إذا صفَت.
إن اللقاء الأجمل ليس على شواطئ الدنيا، بل في سماءٍ أخرى لا يُغدر فيها بوفاء، ولا تُنتهك فيها طهارةُ النية، ولا يُفسدها زيفُ البشر. هناك فقط، يولد الوفاء الحقيقي، ويزهر اللقاء الأبدي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق