دكتور محمد الشافعي
لا تُثبت قيمتك لأحد
تتعب بعض النفوس وهي تحاول أن تُقنع الآخرين بقيمتها، فتشرح، وتبرر، وتُكثر من العطاء، ظنًّا منها أن الاعتراف بفضلها لا يأتي إلا إذا بذلت فوق ما تستطيع. لكنها تغفل حقيقةً بسيطة، وهي أن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، ولا إلى حملاتٍ لإثباتها، بل تكشفها الأيام حين يغيب التكلف وتتكشف المواقف.
ليس كل من فقد شيئًا أدرك قيمته في لحظة الفقد؛ فكثير من الناس لا يعرفون حقيقة الأشخاص إلا بعد أن تتسع بهم التجارب، ولا يميزون بين الصادق والمتصنع إلا حين يضعهم الزمن أمام المواقف. لذلك فإن الانشغال بإثبات أنك الأفضل قد يكون استنزافًا لكرامتك أكثر منه دفاعًا عنها.
دع الناس يخوضون تجاربهم، ويقارنون بين المواقف، ويختبرون المعادن المختلفة. فالحياة معلمٌ لا يجامل أحدًا، وهي وحدها القادرة على أن تكشف الفارق بين من كان وجوده إضافةً حقيقية، ومن كان مجرد حضور عابر.
وليس المقصود أن تتعالى على الناس، ولا أن تنصرف عن الإحسان إليهم، وإنما أن تتوقف عن مطاردة الاعتراف. فالتقدير الذي يُنتزع بالإلحاح لا قيمة له، أما التقدير الذي تصنعه التجربة فيبقى راسخًا لا تهزه الكلمات.
إن الإنسان الواثق من نفسه لا يقف كل يوم أمام الآخرين ليعرض فضائله، ولا يدخل في منافسة لإثبات أنه الأجدر أو الأوفى أو الأصدق. فهو يعلم أن الأخلاق تُرى في المواقف، وأن الوفاء يُعرف عند الشدائد، وأن النبل لا يحتاج إلى شاهد.
إن الإنسان الذي يعرف قدر نفسه لا يقيس قيمته بمديح الناس، ولا يجعل رضاه مرهونًا باعتراف أحد بفضله. يكفيه أن يؤدي ما يمليه عليه ضميره، وأن يحافظ على مبادئه، لأن القيمة الحقيقية لا تُصنع بكثرة من يشهدون لها، وإنما بثباتها في صاحبها، سواء اعترف بها الناس أم قصّروا في إنصافها.
فلا تُبدد عمرك في طلب الاعتراف، ولا تُهدر كرامتك في محاولة إقناع من لا يرى. عش بقيمك، وأحسن خُلُقك، واترك للأيام مهمتها؛ فهي تكشف الحقائق دون ضجيج، وتُسقط الأقنعة دون خصومة، وتمنح كل إنسان قدره الذي يستحقه، مهما تأخر ظهوره.
فإذا كنت صاحب خلق، فلا تنشغل بإقناع الناس بذلك، وإذا كنت صاحب فضل، فلا تُرهق نفسك في تعديد فضائلك. يكفي أن تكون كما ينبغي، فالأعمال الصادقة تُعرَف بأثرها، والقيم الأصيلة تُثبت نفسها بنفسها، أما ما يحتاج إلى إعلان دائم، فغالبًا ما يكون أضعف مما يبدو.
لا تجعل حياتك مشروعًا لإثبات قيمتك، بل اجعلها مشروعًا للتمسك بقيمك.








