2026-08-16

لمن هذا الشعار



دكتور محمد الشافعي 

ومن الظواهر الأخرى التي تستحق التأمل انتشار بعض الشعارات الاجتماعية التي تبدو، في ظاهرها، بريئة ومبهجة، لكنها حين توضع في سياق المجتمع كله تكشف عن سؤال أكثر عمقًا.

من ذلك مثلًا شعار «يلا ساحل».

والسؤال هنا ليس عن الساحل، ولا عن حق الإنسان في أن يستمتع بوقته، فلكل إنسان أن ينفق ماله كيف يشاء، ما دام في حدود القانون والقيم. لكن السؤال: هل هذا الشعار يعبر فعلًا عن المجتمع كله؟

أي ساحل هذا الذي ندعو الناس إليه، بينما هناك من يكدح طوال الشهر كي يدفع فواتيره، ويواجه ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويحاول أن يوازن بين ضروريات الحياة ودخله المحدود؟

هل يمكن أن يصبح نمط حياة فئة ميسورة شعارًا عامًا لمجتمع بأكمله؟

الأمر يشبه أن نضع نافذة فاخرة أمام بيت يئن أهله من ضيق المعيشة، ثم نطلب منهم أن يتأملوا جمال المشهد.

حين يصبح حضور حفلة لمطربة بمئات الآلاف من الجنيهات أمرًا ممكنًا لفئة محدودة، فليس من المنطقي أن تتحول تلك القدرة إلى معيار للسعادة أو عنوان لحياة الناس جميعًا. المشكلة ليست فيمن يملك المال وينفقه، وإنما في تحويل حياة الأقلية إلى صورة تبدو وكأنها حياة المجتمع كله.

وهنا تكمن خطورة بعض الشعارات؛ فهي لا تصف الواقع بقدر ما تصنع صورة انتقائية له، ثم تدفع الناس إلى مقارنة حياتهم بها، فيشعر من لا يستطيع مجاراتها بأنه متأخر، بينما الحقيقة أن المشكلة ليست في حياته، وإنما في الصورة التي قُدِّمت له باعتبارها الحياة الطبيعية.

وليس هذا سوى مثال واحد على ظواهر كثيرة أصبحت تحتاج إلى قدر من التأمل الهادئ، بعيدًا عن الانبهار بما يلمع، وعن التسليم بكل ما يشيع لمجرد أنه شائع.

فالمجتمع لا يُقاس بما يظهر في الواجهات، ولا بما تصنعه وسائل التواصل من صور براقة، وإنما بما يسكن أعماقه من علم، وقيم، ووعي، وعدل، واحترام للإنسان.

ولعل ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الضجيج، وإنما قليلًا من التوقف أمام المرآة؛ أن نسأل أنفسنا بصدق: إلى أين نمضي؟ وماذا يحدث في أعماق مجتمعنا ونحن منشغلون بمراقبة سطحه؟

وللحديث عن تلك الظواهر بقية............ إن شاء الله 

ليست هناك تعليقات: