دكتور محمد الشافعي
ثمة أشياء اعتدنا أن نضعها في موضع لا نناقشه، حتى أصبح مجرد الاعتراض عليها يبدو خروجًا عن المألوف. والغناء واحد من تلك الأشياء التي حجزت لنفسها مكانًا راسخًا في مفهومنا للفن، حتى صار المغني فنانًا بمجرد أن يمسك الميكروفون، وصارت الأغنية عملًا فنيًا لمجرد أنها أغنية.
أما أنا، فلا أرى الأمر بهذه الصورة.
لا أعترف بالغناء فنًّا، ولا أراه من الفنون التي أضعها في المكانة نفسها التي أضع فيها الرسم والنحت والأشغال اليدوية، وكل عمل تتجلى فيه قيمة جمالية أو إبداع أصيل.
الفن عندي هو أن يخلق الإنسان شيئًا من موهبته وفكره ويده، وأن يترك في هذا الشيء أثرًا من ذاته لا يستطيع غيره أن يصنعه بالطريقة نفسها. الفن عندي هو الإبداع الذي يولد من صاحبه، لا مجرد أداء لنص أو لحن سبق أن صنعهما آخرون.
ومن هنا لا أدري لماذا يحتل الغناء هذه المكانة الكبيرة في عالم الفن.
فالأغنية في جوهرها تقوم على الكلمة واللحن، وهما الأساس. أما صوت المؤدي، فعلى الرغم من أهميته في عملية الأداء، فلا أراه صاحب الدور الأكبر في صناعة العمل الغنائي. فالكلمة كتبها شاعر، واللحن وضعه ملحن، ثم يأتي المؤدي ليقدم ما صُنع له.
ثم إن العصر الحديث منحنا إمكانات هائلة في معالجة الأصوات وتصحيحها وتنقيتها وتعديلها، حتى أصبح من الممكن أن تتحول بعض الأصوات إلى شيء آخر تمامًا عما كانت عليه في الأصل.
وبعبارة أكثر صراحة: في ظل هذه الإمكانات، يمكن أن تجعل من صوت الجحش كروانًا!
ومع ذلك، فأنا لا أتحدث عن الغناء الذي أعرفه وأستطيع أن أضع له قيمة خاصة، مثل أم كلثوم وفيروز. فهذا غناء له تاريخ وسياق، وله كلمة ولحن وإحساس وصوت، وله مكانه في وجدان من عاشوا تلك المرحلة.
لكن حديثي هنا عن أشكال الغناء الحالية، وعن نماذج مثل عمرو دياب وتامر حسني، ثم الكارثة الكبرى، وهي المهرجانات وما شابهها.
وهنا أجد نفسي أسأل سؤالًا بسيطًا:
هل هذا طرب؟ وهل هذه أصوات تُسمع؟
أنا لا أستطيع أن أعتبر كل من تصدى للغناء مطربًا، ولا أرى أن امتلاك ميكروفون وجمهورًا ومنصة يكفي لصناعة فنان.
ومن يتصدى للغناء، حتى في عصر الإمكانات التقنية التي تستطيع أن تصوب وتصلح من صوت المغني، ينبغي أن يكون لديه في الأصل صوت نقي وناعم، صوت يمكن أن تستمع إليه دون أن تحتاج إلى كل تلك الحيل التقنية حتى تحتمل سماعه.
فالتكنولوجيا قد تخفي العيب، لكنها لا تصنع الموهبة. وقد تُحسن الصورة، لكنها لا تخلق الجمال من العدم. وقد تجعل الصوت أكثر احتمالًا، لكنها لا تمنح صاحبه بالضرورة صفة المطرب.
ولهذا أظل متمسكًا برؤيتي: الكلمة واللحن هما أساس الأغنية، أما الصوت فليس كل شيء، ولا ينبغي أن نخلط بين القدرة على الأداء وبين امتلاك موهبة فنية حقيقية.
وقد يختلف معي من يختلف، وهذا حقه الكامل؛ فأنا لا أقدم حكمًا ملزمًا لأحد، وإنما أطرح رأيًا شخصيًا تكون لديّ عبر سنوات من التأمل في معنى الفن وما يستحق أن يحمل اسمه.
فليس كل ما يُسمى غناءً طربًا، وليس كل من غنّى مطربًا، وليس كل مشهور فنانًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق