2026-08-14

ذكرى لا تؤلم

 



دكتور محمد الشافعي 

ذكرى عام

هناك أيامٌ لا نعرف، ونحن نعيشها، أنها ستظل عالقة في الذاكرة طويلًا. تمرّ عادية في بدايتها، ثم تأتي لحظة صغيرة فتقسمها إلى ما قبلها وما بعدها.

اليوم يمر عام على واحد من تلك الأيام.

كان يوم جمعة، مثل اليوم تمامًا. أديت صلاة الجمعة، ثم تواصلت مع الدكتور عبد الرازق، واتفقنا أن نتوجه معًا إلى قرية بجوار طنطا لأداء واجب العزاء في وفاة والد أحد أصدقائنا. وبعد قليل هاتفني يخبرني أنه أصبح قريبًا مني، وأن عليّ أن أنزل سريعًا.

وفي عجلة النزول، حدث ما لم يكن في الحسبان.

اصطدمت بالكرسي الصلب، فانخلع إصبعي من موضعه وانكسر، وانحرف بكامله ناحية الإصبع الصغير. لحظة واحدة كانت كافية لأن يتحول يوم عادي إلى ذكرى لا تُنسى.

ومع ذلك نزلت، وذهبنا لأداء واجب العزاء، ثم عدت إلى البيت، والإصبع يحمل ألمه في صمت.

وفي اليوم التالي ذهبت إلى المستشفى. قطع الطبيب البنطلون حتى يتمكن من وضع الجبس، وبدأت رحلة خمسة وعشرين يومًا من الجبس وتقييد الحركة. خمسة وعشرون يومًا اكتشفت فيها أن الإنسان قد يملك جسدًا كاملًا، ثم يعجزه جزء صغير منه عن أشياء كان يفعلها دون أن يفكر.

التأم الكسر، والحمد لله، لكن الإصبع التحم في وضع غير صحيح. وما زلت حتى اليوم أضع له البلاستر أحيانًا، لأدفعه إلى موضعه الصحيح، وكأنني أذكّره بأن المكان الذي اختاره لنفسه ليس هو المكان الذي ينبغي أن يكون فيه.

الغريب أنني لا أذكر من ذلك العام الألم وحده، بل أذكر تفاصيل اليوم كله.

أذكر صلاة الجمعة، ومكالمة الدكتور عبد الرازق، وعجلتي في النزول، والكرسي الصلب، وواجب العزاء، ثم العودة، ثم المستشفى، والجبس، والأيام الطويلة التي كنت فيها مقيد الحركة.

الذاكرة، أحيانًا، لا تحفظ الأحداث الكبيرة وحدها؛ قد تحتفظ بتفصيل صغير لا قيمة له في نظر الآخرين، لكنه يصبح جزءًا من تاريخك أنت.

وعندما أتأمل تلك الحادثة بعد عام، أجد أن إصبعًا واحدًا كان كافيًا ليعلّمني درسًا لا ننتبه إليه ونحن في كامل عافيتنا: أن النعمة التي نعتاد وجودها تتحول إلى شيء لا نراه، حتى نفقد جزءًا منها.

كم من حركة نؤديها كل يوم دون تفكير، وكم من نعمة في أجسادنا لا نمنحها لحظة امتنان؛ حتى يأتي ألم صغير فيضعنا أمام حقيقتنا.

لذلك لم تعد ذكرى ذلك اليوم بالنسبة لي ذكرى كسر إصبع فحسب. إنها ذكرى يوم علّمني، دون أن يقصد، أن العافية ليست أمرًا عاديًا، وأن القدرة على الحركة نعمة، وأن التفاصيل التي نمر عليها كل يوم بلا انتباه قد تكون من أعظم ما نملك.

عامٌ كامل مضى.

التأم الكسر، وانتهى الجبس، وعادت الحركة إلى طبيعتها تقريبًا، لكن شيئًا من ذلك اليوم بقي.

بقي الإصبع يحمل أثره، وبقيت الذاكرة تحمل تفاصيله، وبقي الحمد في القلب على نعمة العافية.

فبعض الحوادث لا تترك في الجسد أثرًا فقط؛ تترك في الإنسان عينًا جديدة يرى بها ما كان يملكه طوال الوقت ولم يكن يراه.

والحمد لله على كل حال.

ليست هناك تعليقات: