2026-10-19

اغتراب القيم


 

د. محمد الشافعي

لا تستقيم حياة المجتمعات إلا بمنظومة من القيم والمبادئ التي تضبط سلوك أفرادها، وتحدد علاقاتهم بعضهم ببعض؛ فبها تُصان الثقة، وتترسخ المحبة، ويصبح للصدق والأمانة والاحترام مكان في واقع الناس، لا في أحاديثهم فحسب. لكن المؤسف أن المسافة بين هذه القيم وما نراه في حياتنا اليومية تتسع، حتى أصبح التناقض بين ما نؤمن به وما نمارسه أحد مظاهر الخلل الذي يستحق التأمل.

لقد أصبح الاهتمام بأمور كثيرة لا تضيف إلى الفكر وعيًا، ولا إلى الوجدان رقيًا، يستأثر بوقت الناس وعقولهم، بينما تتراجع قيمة المعرفة الجادة، والسلوك النبيل، والقدوة الحقيقية. ولم تعد المشكلة في اختلاف الأذواق، بل في اضطراب المعايير التي نحكم بها على الأشياء، حتى بات الانتشار أهم من المضمون، والإثارة أسبق من المعنى.

وتسهم بعض الأعمال الدرامية والأغاني في تغذية هذا الخلل، حين تجعل من الابتذال وسيلة للانتشار، وتقدم نماذج تفتقر إلى العمق والقيمة في صورة تستدعي الإعجاب أو التقليد. والفن، وإن لم يكن موعظة أخلاقية، ليس معزولًا عن تشكيل الوعي والذوق؛ فما يتكرر أمام الناس قد يصبح مألوفًا لديهم، وما يُحتفى به طويلًا قد يتحول إلى معيار للحكم والاختيار.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا حين يجسد بعض الممثلين شخصيات تتحدث عن النبل والوفاء والصدق، بينما تكشف سلوكياتهم في الحياة الواقعية عن تناقض مع هذه المعاني. فإتقان أداء الفضيلة لا يعني امتلاكها، والقدرة على تجسيد الأخلاق أمام الكاميرا لا تعني الالتزام بها خارجها. وليس المطلوب أن يكون الفنان معصومًا من الخطأ، بل ألا تتحول صورته الفنية إلى شهادة أخلاقية لا تسندها أفعاله.

غير أن المسؤولية لا تقع على الفنان وحده؛ فالجمهور الذي يستهلك كل ما يُقدَّم إليه دون تمييز، ويمنح التفاهة مساحة تفوق ما يمنحه للفكر والمعرفة، يسهم بدوره في ترسيخ هذا الواقع. والمجتمع الذي يتسامح مع غياب المبادئ حين توافق المصالح، ثم يشكو تراجع الأخلاق، إنما يطالب بشيء ويناقضه في ممارساته.

إن استعادة القيم لا تبدأ بكثرة الحديث عنها، وإنما بإعادتها إلى موقعها الطبيعي في حياتنا؛ بأن نزن الأشخاص بأفعالهم، والأعمال بمضامينها، والنجاح بما يضيفه إلى الإنسان والمجتمع، لا بما يثيره من ضجيج عابر.

فالمشكلة ليست أن تقلّ القيم في بعض التصرفات فحسب، بل أن يفقد الناس حساسيتهم تجاه غيابها، وأن يألفوا ما كان ينبغي أن يرفضوه، ويستغربوا ما كان ينبغي أن يقدّروه.

وحين يختل ميزان القيم، لا يصبح القبيح جميلًا بالضرورة، بل يصبح الاعتراض على قبحه أقل حضورًا؛ وتلك هي بداية الخطر، حين لا يتغير الواقع وحده، بل يتغير معه إحساس الناس بما ينبغي أن يكون.

أن انهيار القيم يبدأ حين يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين ما يستحق الإعجاب وما يستحق الازدراء

ليست هناك تعليقات: