2026-10-09

موقف واحد

 


دكتور محمد الشافعي 

أحيانًا لا تحتاج إلى أكثر من موقف واحد كي تعيد النظر في إنسان ظننته يومًا كتابًا مفتوحًا أمامك؛ سنوات من العِشرة لم تكشف لك ما كشفته لحظة عابرة، وكلمات كثيرة لم تستطع أن تصمد أمام تصرف واحد. عندها تشعر كأنك لم تكتشف حقيقة جديدة فحسب، بل اكتشفت أن الصورة التي عشت طويلًا مطمئنًا إليها لم تكن سوى صورة رسمتها ثقتك، وأكملتها أمنياتك، وحماها حسن ظنك من أسئلة كان ينبغي أن تطرحها.

فالناس لا يكشفون عن وجوههم الحقيقية بالضرورة حين يتحدثون، ولا حين يتبادلون المجاملات، ولا حتى حين تجمعهم بك أوقات الود والصفاء؛ إنما تظهر حقائق كثيرة حين تتبدل الظروف، وتتعارض المصالح، ويصبح الموقف الصادق مكلفًا. هناك نعرف من يحفظ الود حين لا تكون له منفعة، ومن يصون العهد حين يستطيع التنصل منه، ومن يقف إلى جوارك لأنك تعنيه حقًا، لا لأن وجوده إلى جوارك يحقق له غرضًا.

والأشد إيلامًا أن الموقف قد لا يترك في نفسك جرحًا بقدر ما يترك فيها دهشة؛ كيف لم ترَ ما أصبح واضحًا الآن؟ كيف مرّت بك السنوات وأنت تمنح إنسانًا مكانة لم تختبرها أفعاله؟ وكيف استطاعت لحظة واحدة أن تبدد اطمئنانًا صنعته مواقف كثيرة؟ لكن الحقيقة أن بعض الناس لا يخدعوننا بقدر ما تساعدنا رغبتنا في تصديقهم على تجاهل ما لا نحب أن نراه فيهم.

ومع ذلك، ليست كل خيبة حكمًا نهائيًا، ولا كل تصرف عابر مرآة كاملة للنفس؛ فقد يخطئ الإنسان، وقد تضعفه الظروف، وقد يتصرف على نحو يندم عليه. لكن الفارق بين الخطأ الذي يعترف به صاحبه، والخطأ الذي يبرره ويكرره ويلقي تبعته على الآخرين، هو الفارق بين عثرة تكشف ضعفًا بشريًا، وسلوك يكشف خللًا أعمق في الطباع.

لذلك، لا تجعل خيبة واحدة تفسد نظرتك إلى الناس جميعًا، ولا تجعل سنوات المعاشرة تمنعك من الاعتراف بما كشفه موقف صريح. فالوفاء لا يُقاس بطول البقاء، والمحبة لا تثبت بكثرة الكلام، والمعدن الأصيل لا يحتاج إلى إعلان متكرر؛ إنه يظهر حين يكون الصدق أصعب من المجاملة، والإنصاف أثقل من المصلحة، والوفاء أبعد من المكسب العاجل.

والحكمة ليست في أن تعاتب كل من خيّب ظنك، ولا في أن تمنح كل من أخطأ فرصة بلا نهاية؛ بل في أن تفهم ما كشفه الموقف، وأن تضعه في موضعه الصحيح، فلا تظلم إنسانًا بعثرة عابرة، ولا تظلم نفسك بتجاهل حقيقة تكررت أمامك. فبعض العلاقات لا تحتاج إلى خصام كي تنتهي في داخلنا، بل يكفي أن تتغير معرفتنا بأصحابها، فتعود المسافة التي ألغتها الثقة، ويستقر كل إنسان في المكان الذي تستحقه أفعاله.

فلا تحتاج إلى سنوات كي تكتشف أقنعة الناس؛ أحيانًا يكفي موقف واحد لتعرف أن ما حسبته حقيقة لم يكن إلا صورة صدّقتها. وحين يحدث ذلك، لا تنشغل كثيرًا بما فقدته من أشخاص، بل تأمل ما استعدته من بصيرة؛ فليس كل انكشاف خسارة، إذ قد يكون سقوط الوهم أول الطريق إلى رؤية أكثر نضجًا، وثقة أكثر وعيًا، وقلب يعرف كيف يحسن الظن دون أن يتنازل عن حقه في أن يرى الحقيقة.

ليست هناك تعليقات: