دكتور محمد إسماعيل الشافعي
في ذكرى رحيلك يا أبي، لا أجد الكلمات التي تفيك حقك، ولا العبارات التي تحمل إليك بعض ما يعتمل في صدري من شوق. تمر السنوات، ويبقى الحنين إليك حيًّا، كأن الغياب مهما طال لا يستطيع أن ينتزع من القلب ملامح من أحببناهم بصدق، ولا أن يطفئ دفء ذكرياتهم في أعماقنا.
وحشتني جدًا يا أبي.. وحشتني نقاشاتك، وحواراتك الممتعة، وتلك الجلسات التي كان الحديث فيها متعة، والقرب فيها طمأنينة. اشتقت إلى أن نجلس معًا، نستمع إلى كوكب الشرق أم كلثوم، ولا سيما أغنيتي الحبيبة «رق الحبيب» التي أعشقها. ما زالت هذه الأغنية تحمل إليّ عبق أيامنا، وكأن ألحانها تحتفظ بشيء من حضورك، وتفتح في ذاكرتي نافذة أطل منها على زمن كان فيه لقاؤنا ممكنًا، وكان صوتك جزءًا من تفاصيل يومي.
وحشني اهتمامك بي، وحنانك الذي كان يحيطني، وخوفك عليّ الذي كنت أجده في تفاصيل كثيرة، وربما لم أكن أدرك تمامًا قيمة بعضها إلا بعد رحيلك. وحشتني فرحتك بي، واعتزازك بما أحققه، وتلك السعادة التي كنت أراها في عينيك حين تجدني أتقدم في الحياة. فما أجمل أن يرى الإنسان فرحته منعكسة في عيني أبيه، وما أقسى أن تصبح تلك النظرة العزيزة ذكرى يستحضرها القلب ولا تستطيع الأيام أن تعيدها!
وما أنا، بعد فضل الله سبحانه وتعالى، إلا صنيعة يديك؛ فقد أسهمت في تكويني، وغرست في نفسي ما كان له أثره في فكري وشخصيتي وطريقي في الحياة. وإذا كان للإنسان أن يعتز بما حققه، فإن من حق أبيه عليه أن ينال نصيبًا من هذا الاعتزاز؛ لأنه كان حاضرًا في رحلة البناء، بعطائه ورعايته واهتمامه. أدين لك يا أبي بالفضل، بل بالأفضال؛ أفضال مادية ومعنوية، لا أستطيع أن أحصيها، ولا أظن أن العمر مهما امتد يكفي لردّ جميلها.
كنت تنفق بسخاء، وتعطي بطيب نفس، ولم يكن الكرم عندك عطاءً تحكمه الحسابات، بل طبعًا أصيلًا يشبهك. ولِمَ لا، وأنت أجود الناس وأكرمهم؟ غير أن أعظم ما بقي لي من عطائك لم يكن ماديًّا وحده، بل كان في حنانك واهتمامك وثقتك وفرحتك بي؛ تلك الأشياء التي لا تُشترى، ولا يعوّض غيابها مال، مهما كثر.
رحمك الله يا أبي، وجزاك عني خير الجزاء. أسأل الله العظيم أن يغفر لك، ويرحمك رحمة واسعة، ويكرم نزلك، ويوسّع مدخلك، ويسكنك فسيح جناته، وأن يجعل كل ما قدمته لي في ميزان حسناتك، وأن يجمعني بك في مستقر رحمته.
رحمك الله يا أبي.. وحشتني جدًا، وكم أتمنى لو تعود بي الأيام إلى جلسة واحدة تجمعني بك؛ أستمع فيها إلى حديثك، وأرى فرحتك بي، ونجلس معًا كما اعتدنا، بينما تصدح أم كلثوم بأغنية «رق الحبيب».
غبت عن عيني، لكنك لم تغب عن وجداني؛ فما زلت حاضرًا في تكويني، وفي ذكرياتي، وفي كل جميل تركته في نفسي. وسيبقى فضلك دينًا من المحبة لا يسقط بالتقادم، وسيظل الدعاء لك أصدق ما أقدمه وفاءً لرجل منحني الكثير، ولم يترك لي بعد رحيله إلا أن أحبّه أكثر، وأشتاق إليه أكثر، وأسأل الله أن يجزيه عني خيرًا.
اللهم ارحم أبي، واغفر له، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجمعني به في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا حزن، وحيث يلتقي الأحباب لقاءً لا يعقبه غياب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق