2026-03-17

صمت الحقيقة



مهندس عاصم شاكر 

حين تصمت الكلمات… تنطق الحقائق

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات حتى يكاد الضجيج يبتلع المعنى، تظلّ الحقيقة كيانًا عصيًّا على التزييف، ثابتًا لا يتبدّل، وإن توارى خلف ستار من الزيف المؤقت. فليس كل ما يُقال يُعتدّ به، ولا كل ما يُسمع يُوثق به، إذ كثيرًا ما تُقال الكلمات لتُخفي، لا لتُظهر، ولتُزيّن الباطل في صورة الحق، أو لتؤجل المواجهة مع واقعٍ لا يحتمل المجاملة.

غير أنّ الحقيقة، في جوهرها، لا تحتاج إلى صخبٍ يعلنها، ولا إلى زخرفٍ يجمّلها؛ فهي كالشمس، قد تحجبها غيمة، لكنها لا تنطفئ. تسكن في عمق الوقائع، وتظهر لمن أراد أن يرى بعين البصيرة لا بعين الهوى. قد تُؤخَّر، وقد تُحاصَر، لكنها لا تُهزم، لأن ما بُني على الصدق لا ينهار، وما استند إلى الوهم سرعان ما يتداعى.

ولعلّ أخطر ما يواجه الإنسان ليس الكذب الصريح، بل نصف الحقيقة؛ ذلك القناع الذي يُلبس الزيف ثوب الصدق، فيضلّ السامع، ويحسب أنه قد بلغ الغاية. وهنا تتجلى مسؤولية العقل الواعي، الذي لا يكتفي بالسماع، بل ينقّب، ويفكّك، ويعيد النظر، حتى يبلغ اليقين.

إن الحقيقة لا تُفرض بقوة الصوت، ولا تُستمد من كثرة المؤيدين، بل من صفائها الداخلي واتساقها مع الواقع. هي لا تحتاج إلى من يرفعها، بقدر ما تحتاج إلى من لا يطمسها. ومن أدرك هذه القيمة، أدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الانصراف عن الجدل العقيم حفاظٌ على نقاء الفكرة.

وهكذا، تبقى الحقيقة — مهما تأخر ظهورها — قادرة على أن تفرض حضورها، لا بسطوة، بل بثبات. إنها لا تصرخ، لكنها تُسمِع؛ لا تتزين، لكنها تُقنع؛ لا تلاحق الناس، بل يجدها من يطلبها بإخلاص.

وفي عالمٍ تتبدل فيه الوجوه والعبارات، تظل الحقيقة وحدها، ثابتةً، هادئةً، واثقة… تنتظر من ينصت.

ليست هناك تعليقات: