2026-03-07

الثبات الانفعالي

 


دكتور محمد الشافعي 

الثبات الانفعالي: فن إدارة النفس في زمن الضغوط

الثبات الانفعالي ليس برودًا في المشاعر، ولا جمودًا في الإحساس، بل هو القدرة الهادئة على إدارة الانفعال حين تشتد الظروف وتضيق المساحات النفسية. إنه مهارة داخلية تجعل الإنسان قادرًا على أن يشعر بالغضب أو الحزن أو القلق، دون أن يسمح لهذه المشاعر بأن تقوده أو تتحكم في سلوكه. فالثبات الانفعالي ليس غياب العاطفة، بل حضور العقل في لحظة العاطفة.

غير أن كثيرًا من الناس يلاحظون تغيرًا في طباعهم بمرور الوقت؛ فقد يجد المرء نفسه أكثر عصبية مما كان عليه قبل عام أو عامين، رغم أنه كان يتمتع في السابق بقدر كبير من الاتزان والهدوء. وهذه الظاهرة ليست غريبة، بل هي في الغالب نتيجة لتراكمات نفسية وضغوط حياتية تتجمع ببطء داخل النفس حتى تبلغ نقطة يصبح فيها الاحتمال أصعب مما كان.

فالحياة الحديثة، بما تحمله من التزامات متزايدة ومسؤوليات متشابكة، تفرض على الإنسان قدرًا مستمرًا من التوتر. وقد يضيف العمل الذهني المكثف، والانشغال الدائم، وتعدد المطالب اليومية، طبقات من الضغط النفسي لا يلتفت إليها المرء في بدايتها. ومع مرور الوقت تتحول هذه الضغوط إلى حالة من الاستنزاف العاطفي، فيصبح الإنسان سريع الانفعال، حادّ المزاج، وكأن أعصابه أصبحت أكثر حساسية تجاه المواقف الصغيرة.

ولا يمكن إرجاع العصبية المتزايدة إلى سبب واحد فقط؛ فالتراكمات النفسية أحد الأسباب المهمة، لكنها ليست الوحيدة. فهناك أيضًا الإرهاق الجسدي وقلة النوم، والانشغال الفكري المستمر، والشعور بالمسؤولية الثقيلة، بل وحتى التغيرات في نمط الحياة اليومية. كما أن الإنسان كلما ازداد وعيه بالأمور من حوله، قد يصبح أكثر حساسية تجاه السلوكيات السطحية أو التصرفات غير المنضبطة، فينشأ داخله نوع من الضيق أو النفور يظهر في صورة عصبية أو حدة في رد الفعل.

ومع ذلك، فإن الثبات الانفعالي ليس صفة ثابتة يولد بها الإنسان ولا تتغير، بل هو مهارة يمكن استعادتها وتنميتها بالتدريب والممارسة. ومن أهم وسائل التدريب عليه أن يتعلم الإنسان التمهل قبل الاستجابة للمواقف المثيرة للغضب؛ فالفاصل الزمني القصير بين الحدث ورد الفعل هو المساحة التي يولد فيها الاتزان. وكلما اتسعت هذه المساحة، ازداد الإنسان قدرة على التحكم في انفعاله.

كذلك يفيد كثيرًا أن يدرك الإنسان أن كل موقف لا يستحق الاستجابة ذاتها، وأن الاقتصاد في الانفعال نوع من الحكمة النفسية. فالطاقة العاطفية مورد محدود، وإذا استهلكها الإنسان في كل التفاصيل الصغيرة، لم يبق لديه ما يكفي لمواجهة المواقف الحقيقية التي تستحق الانتباه.

ومن الوسائل المهمة أيضًا العناية بالصحة النفسية والجسدية؛ فالنوم الكافي، وتقليل الضجيج الذهني، وإيجاد لحظات يومية من العزلة الهادئة أو التأمل، كلها عوامل تعيد للنفس توازنها تدريجيًا. كما أن التعبير الهادئ عن الضيق، بدل كتمه لفترات طويلة، يمنع تراكمه وتحوله إلى غضب مفاجئ.

إن العصبية التي تظهر فجأة في حياة الإنسان ليست دائمًا علامة ضعف، بل قد تكون إشارة من النفس بأنها بلغت حدًّا من الإجهاد يحتاج إلى مراجعة وإعادة ترتيب. فالنفس البشرية مثل الأرض؛ إن أُرهقت بالزراعة المستمرة دون أن تُمنح وقتًا للراحة، جفّت خصوبتها واشتدّ قساؤها.

ولهذا فإن استعادة الثبات الانفعالي لا تبدأ بمحاولة قمع الغضب، بل بفهم أسبابه أولًا، والاعتراف بأن النفس تحتاج أحيانًا إلى الهدوء بقدر ما تحتاج إلى العمل والإنجاز. وحين يمنح الإنسان نفسه هذا التوازن، يعود الاتزان الداخلي تدريجيًا، ويستعيد قدرته على مواجهة الحياة بهدوء وثقة، دون أن يفقد حساسيته الإنسانية أو عمق شعوره.

ليست هناك تعليقات: