2026-03-06

التعليم حين يفقد روحه


دكتور محمد العوادي 

كان التعليم يومًا ما نافذة مشرعة على فضاء المعرفة، يدخلها الطالب بشغف الاكتشاف، ويخرج منها محمّلًا بحب السؤال وبهجة الفهم. كان المعلم مرشدًا وصاحب رسالة، لا مجرّد ناقل لمقررات جامدة، وكان الطالب متعلّمًا في رحاب الحياة، لا مجرّد مؤدٍ لواجبات. غير أنّ هذا البنيان تساقط حجرًا بعد حجر، حتى صار التعليم سوقًا تُباع فيه الدروس الخصوصية، وميدانًا لا يُقاس فيه النجاح إلا بقدرة الطالب على عبور ورقة الامتحان.

إنّ أخطر ما يواجه التعليم ليس ضيق الموارد ولا قلة الإمكانات، بل فقدان المعنى. فإذا صار الهدف النهائي شهادةً تُعلّق على الجدار، وأرقامًا تُسجَّل في الكشوف، ضاع جوهر الرسالة التربوية التي خُلقت لتبني العقل، وتصنع إنسانًا قادرًا على التفكير والإبداع. لقد اختُزلت العملية التعليمية في صورة آلية تُنتج "خبراء في اجتياز الأسئلة"، لكنها لا تصنع عقولًا قادرة على مواجهة الحياة.

إنّ استعادة التعليم لروحه ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. فالأمة التي تجعل من الامتحان غايتها القصوى، تحصد أجيالًا من الحفظة، لا من المفكرين. ولا سبيل إلى النهضة إلا إذا عاد التعليم رحلةً نحو المعنى، لا مجرد ممر ضيق نحو الشهادة.

ليست هناك تعليقات: