2026-04-01

رؤية جديدة

 


الأستاذ الدكتور أحمد عيسي استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

------------------------------

مقاربة وطرح إجتهادي عن رؤيتي للمشابهة بين نبي الله "إدريس" (أخنوخ).عليه السلام، وبين "أوزيريس" (أوزير) معبود المصريين القدماء.

 وطبقا لطرح إثنين من أساطين علم المصريات في أواسط ونهايات القرن العشرين، هما: Kurt Sethe في كتابه Urgeschichte و عبد العزيز صالح في كتابه: حضارة مصر القديمة وآثارها، كان أوزيريس ملكا مصريا نجح في توحيد.الصعيد والدلتا لأول مرة تحت حكمه حوالي منتصف الألف السادس ق.م (اي قبل ميلاد.السيد المسيح عليه السلام)، وكانت عاصمته في "إيونو" (هليوبوليس/عين شمس)، كما ارتدى أول تاج مزدوج لملك مصري هو تاج "وررت" ( قبل ابتكار حماكا وزير الملك "دن/أوديمو" (رابع ملوك الأسرة الأولى) لمليكه التاج المزدوج التاريخي "سخمتي" الشهير بأكثر من ٢٥٠٠ عام.

وتشير نصوص لوحة في المكتبة الأهلية في باريس إلى أوزيريس، بوصفه ملكا طيبا عادلا، و "راعي صالح" لشعبه.

ويربطنا مصطلح "الراعي الصالح" بمفهوم المسئولية والرعاية الشاملة من (جميع) أنبياء ورسل الله لشعوبهم وأقوامهم الذين أرسلوا إليهم من قبل الله سبحانه وتعالى.

كما أن مصطلح: "الراعي الصالح" هو لقب أطلقه السيد المسيح (أحد كبار أولي العزم من الرسل) على نفسه، مشيراً إلى رعايته وحمايته وتضحيته من أجل المؤمنين (كني عنهم بلفظة: الخراف= الشعب المؤمن الذي يسمع ويطيع).

وأبرز آيات الإنجيل في ذلك المعنى، هي: 

- "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ" (يوحنا 11:10).

- يوحنا 10: 27-28: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ".

- حزقيال 34: 12: "كَمَا يَفْتَقِدُ الرَّاعِي قَطِيعَهُ يَوْمَ يَكُونُ فِي وَسَطِ غَنَمِهِ الْمُشَتَّتَةِ، هَكَذَا أَفْتَقِدُ غَنَمِي وَأُخَلِّصُهَا".

ويربطنا كذلك ذلك المفهوم بعدد كبير من طبعات الأختام الاسطوانة من بلاد الرافدين ترجع إلى العصر الأكاديمية(منتصف الألف الثالث.ق.م) تصور ما يعتبره علماء المعتقدات القديمة أيقونة هامة (من أسطورة) تمثل أحد الملوك السومريين المصلحين، الذي دعوه "إيتانا"، والذي أراد الصعود إلى السماء لمطالعة أسرارها فطلب ذلك من المعبودات، فأرسلوا له "نسرا ضخما" ليركب على ظهره ليصعد به إلى السماء، وبينما يصعد النسر به تتجمع الخراف (كناية عن الشعب) وتنظر إلى سيدها بلهفة وخشية ألا يعود إليها من هذه الرحلة (أنظر الصورة في نهاية هذا المنشور).

في رؤيتي أن هذه الرواية وتصاويرها لا تمثل أسطورة من بلاد الرافدين، بل إنها تسترجع حدثا دينيا حدث في مصر القديمة قبل أن يجد صداه وتردد في الآثار العراقية القديمة بما يقرب من ثلاثة آلاف سنة.

وهذا الحدث العظيم كما رأينا أبطاله الثلاثة الأساسيين في آثار بلاد الرافدينهم: 

١- الملك السومري "إيتانا" الحاكم العادل والمصلح لشعبه "=الراعي الصالح".

٢- "النسر الضخم" الذي يحمل على ظهره"إيتانا" ويصعد به إلى السماء.

٣- شعب مملكة "إيتانا"، الممثل في هيئة "الخراف" التي تحيط بمكان ذلك الحدث العظيم وترفع أعناقها مشرئبة ناظرة إلى النسر الضخم الصاعد إلى السماء، بيننا يحمل سيدهم "إيتانا"، حيث يكتنفهم الخوف أن يفقدوه فلا يعود مرة أخرى.

وهذا الحدث الجلل الممثل بأصول حقيقية تتجدد أديتها في شخوصه هذه الثلاثة، تسترجع، حسب رؤيتي، حادثة حقيقية حدثت كمعجزة سماوية قبل أن تعبر عنها هذه الآثار العراقية القديمة بثلاثة ألف عام، ولكن نسيت تفاصيلها مع توارد الروايات الشفاهية لها عبر آلاف السنين، قبل معرفة الكتابة، كمثل ما حدث في مقاربتنا السابقة بين كل من "آدم" عليه السلام، و"آتوم".

وهكذا فاختلفت الأسماء للشخصيات والأماكن، ولكن جوهر القصة بقي كما هو، فالمكان كان في إيونو عاصمة "مصر" وليس المدينة السومرية، والشخص الصاعد إلى السماء كان سيدنا "إدريس" عليه السلام، و"النسر الضخم" كان "ملكا كريما"، كان قد كلفه الله سبحانه وتعالى بأن يحمل إدريس إلى السماء(الرابعة)، حيث كان ينتظره "ملك الموت" ليقبض روحه هناك، حسبما قدر الله سبحانه وتعالى:

المقصود بقوله تعالى {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 57] هو نبي الله إدريس عليه السلام؛ وفي الصحيحين أن النبي ﷺ رآه في السماء الرابعة ليلة المعراج، حيث كان صعوده إلى السماء حياً أو قبض روحه فيها.

ونستكمل هذه المقاربة في منشور تال بإذن الله تعالى.

ليست هناك تعليقات: