2026-04-14

قاعات بلا روح


دكتور محمد الشافعي 

فراغ المدرجات… حين يتحول الغياب إلى ظاهرة

--------------------------

لم يعد خلوّ المدرجات الجامعية مشهدًا عابرًا، بل صار علامة دالّة على اختلال أعمق في بنية الواقع التعليمي والاجتماعي. فمع تصاعد أعباء المعيشة وارتفاع تكاليف الانتقال اليومي، وجد كثير من الطلاب أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما طلب العلم، أو السعي وراء لقمة العيش. وفي هذا التنازع، تميل الكفّة – على مضض – نحو العمل، فتغدو قاعات الدراسة شبه خاوية، ويغيب الحضور لا لكسلٍ أو استهانة، بل لضرورة فرضتها الظروف.

هذا الغياب المتكرر لا يمرّ بلا ثمن. إذ يتآكل التفاعل داخل القاعة، ويضعف الحوار العلمي، ويُحرم الطالب من الخبرة الحيّة التي لا تعوّضها المذكرات ولا المقاطع المسجّلة. ومع مرور الوقت، يدخل الطالب إلى قاعة الامتحان وهو يحمل معرفة مجتزأة، أو فهمًا هشًّا، فيفقد التقييم معناه الحقيقي، ويتحوّل من قياسٍ للتحصيل إلى اختبارٍ للقدرة على النجاة المؤقتة.

وفي ظل هذا الفراغ، تنشأ ظواهر مقلقة، لعل أبرزها انتشار محاولات الغش، لا باعتبارها انحرافًا فرديًا، بل بوصفها نتيجة منطقية لمنظومة فقدت توازنها. فالطالب الذي لم يتلقَّ علمًا كافيًا، يسعى إلى تعويض ما فاته بأي وسيلة، والأستاذ الذي يواجه قاعات خاوية يشعر بأن جهده يُهدر، فيتسلل إليه الإحباط، ويبهت دوره التربوي شيئًا فشيئًا.

وهكذا، تتكامل حلقات الأزمة: تعليم يتراجع، وأستاذ مثقل بالضغوط، وطالب ضحية لظروف تتجاوز قدرته، لينتهي الأمر بمنظومة مهددة في جوهرها. فالجامعة، التي يُفترض أن تكون منارة للعلم ومصنعًا للعقول، تجد نفسها أمام تحدٍ وجودي، إذ كيف تنهض بدورها في ظل غياب طلابها؟

إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون باللوم أو العقاب، بل بإعادة النظر في السياق كله: دعم الطالب ماديًا، وتيسير سبل الحضور، وتطوير أساليب التعليم بما يراعي الواقع، دون أن يفرّط في جوهر الرسالة. فالتعليم ليس ترفًا يُؤجَّل، بل هو أساس بناء الإنسان، وإذا فرغت مدرجاته اليوم، فقد يفرغ الغد من معناه.

ليست هناك تعليقات: