مهندس عاصم شاكر
...........
حين يأتي الأذى من حيث أُحسن الظن وحين ينقلب الإحسان وجعًا
..........
ليست كل الجراح سواء؛ فثمة جراح تمرّ على القلب مرور العابر، لا تترك إلا أثرًا عابرًا، وثمة أخرى تغوص في الأعماق حتى تُوجِع الروح قبل الجسد. ومن أشدّها وقعًا وأقساها أثرًا، تلك التي تأتي من قريبٍ أُعطي الثقة، ومن يدٍ امتدّت يومًا بالعطاء فامتدّت اليوم بالأذى. وكأن الحكمة الشعبية حين قالت: “الرفسة مبتجيش إلا من العجل اللي دلعته”، لم تكن مجرد عبارة دارجة، بل خلاصة تجربة إنسانية تتكرر في صور شتى.
إن الإنسان بطبعه يميل إلى الإحسان لمن حوله، ويغدق من وقته ومشاعره وجهده على من يراهم أهلًا للقرب. يفتح لهم أبواب قلبه دون حذر، ويمنحهم من صدقه ما لا يمنحه للغريب. لكنه، في لحظة غير متوقعة، قد يكتشف أن هذا القرب نفسه هو موطن الخطر، وأن الأذى لا يحتاج إلى مسافة ليبلغ غايته، بل يكفيه أن يكون صادرًا ممن عرف الطريق إلى الداخل.
والطعنة التي تأتي من بعيد يمكن احتمالها؛ لأنها متوقعة في عالم تتنازع فيه المصالح وتختلف فيه الطبائع. أما الطعنة التي تأتي من قريب، فهي خيانة للثقة قبل أن تكون أذى للفعل، وهي انكسار لصورةٍ رسمها الإنسان في داخله عن الوفاء والود. لذلك يكون ألمها مضاعفًا؛ لأنها تهدم ما بُني على مهل، وتبدد ما استقر في النفس من يقين.
غير أن الحكمة لا تدعونا إلى القسوة أو الانغلاق، بل إلى التوازن. فليس الحل أن نغلق أبوابنا في وجه الجميع، ولا أن نمنحها بلا ضابط لكل أحد. إنما الرشد كل الرشد في أن نُحسن دون إفراط، ونثق دون سذاجة، ونُدرك أن القرب مسؤولية مشتركة، لا امتيازًا مطلقًا.
وفي نهاية الأمر، تبقى هذه التجارب، على قسوتها، معلمًا صامتًا يعيد ترتيب الأشياء في داخلنا. تعلّمنا أن نُبقي مساحة آمنة لأنفسنا، وأن نمنح القرب بوعي، وأن نُدرك أن بعض الخيبات، وإن آلمت، فإنها تُنضج الروح وتُبصرها بما لم تكن تراه من قبل.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق