دكتور محمد الشافعي
"الإنسان لا يتغيّر فجأة، لكنه ينهك حتى تفرغ بطاريته… فامنحه دعمًا بدلًا من أن تلومه."
...........
حين تفرغ البطارية الإنسانية
ليس كل تغيّر في السلوك علامة على فساد الطبع أو تبدّل القلب، بل كثيرًا ما يكون انعكاسًا لتعبٍ داخلي واستنزافٍ صامت لا يراه الآخرون.
فالإنسان الذي كان يومًا واسع الصدر، رحب الابتسامة، صبورًا على جدالٍ لا ينتهي، قد يأتي عليه وقت يضيق فيه صدره، ويثور سريعًا، وينسحب من النقاشات كما ينسحب الجريح من ساحة معركة لا يملك فيها سلاحًا.
إنها ليست خيانةً لجوهره، ولا تبدّلًا في أصله، بل هي بطارية روحه التي نفدت من فرط الاستهلاك. لقد استنزف ما فيه من طاقة وهو يساير، ويصبر، ويتحمّل، ويخفي أوجاعه بابتسامة مصطنعة، حتى جاء اليوم الذي عجز فيه عن منح ما لم يعد يملك.
كم من مرةٍ كان ذاك الإنسان طيبًا، متسامحًا، مهذبًا، متحمّلًا للآخرين أكثر مما يحتمل نفسه؟ كم من مرةٍ اختار أن يكون الجدار الذي يمتص الصدمات لئلا تصيب من حوله؟ ثم حين نال منه الإرهاق، وبدأت ملامح الضيق تكسو وجهه، سارع البعض إلى توجيه الاتهام: "لقد تغيّرت!"، كأنهم لم يروا رصيد عطائه الطويل الذي نفد.
إن الواجب تجاه هؤلاء ليس في استفزازهم ولا في محاكمتهم على لحظة ضعفٍ إنساني، بل في محاولة الفهم: ما الظروف التي أنهكتهم؟ ما الذي استنزف صبرهم؟ إننا لا نلوم المصباح إذا أظلم حين تنفد الكهرباء، ولا نعاتب الأرض إذا جفّت بعد أن عطشها الغيث طويلًا.
فليت الناس يتأملون قبل أن يطلقوا حكمًا قاسيًا: "أنت تغيّرت!"
فالإنسان لا يتغيّر جوهره بهذه السهولة، بل يضعف حين تُستنزف طاقته. وحينها، يكون أحوج ما يكون إلى الدعم والرفق، لا إلى مزيدٍ من الضغط واللوم.
إنها بطارية الإنسان… قد تفرغ، لكنها قابلة لإعادة الشحن إذا وُجد الاحتواء والرحمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق