2026-04-23

حين يتجاوز الحارس حدَّه

 


كتب عبد الله الشعراوي 

ليست طائفة البوابين — في بعض صورها — من الفئات الهيّنة في التعامل، بل يكتنفها قدرٌ من التعقيد والشدّة؛ إذ يتبدّى في سلوك بعض أفرادها نزوعٌ إلى الاستزادة التي لا تُشبع، وطمعٌ لا يعرف القناعة، وبرودٌ طاغٍ لا تنعكس معه آثار النعمة على ظاهر الحال.

وثمّة مهنٌ شاعت في بيئتنا على نحوٍ مشوَّه، حتى كأنها لا تقوم إلا في ظل غياب الضبط، كالسائس، والسمسار غير المعتمد، والبواب الذي يتجاوز كونه حارسًا للعقار إلى أدوار ليست من صميم وظيفته، فضلًا عن ظواهر كالتوك توك وسائقيه، وما يشبه عصابات الشحاذة المنظمة. وفي هذا السياق، يغدو المشهد عبثيًّا حين يتكاثر المنتسبون إلى البواب من أقاربه ومساعديه حتى يفوق عددهم عدد سكان العقار ذاته.

ومع امتداد الزمن، واستشراء الإهمال من قِبل السكان، ينساب هذا الدور المحدود إلى مساحةٍ أوسع، فيمنح بعضهم لأنفسهم حقوقًا ليست لهم، حتى يبلغ الأمر حدّ التحكّم في شؤون القاطنين، والتدخل في بيع وشراء الوحدات السكنية، وهو ما لا يمتّ إلى وظيفته بصلة. بل إنّ صورًا أشد فجاجة قد ظهرت، تمثّلت في اقتحام شققٍ مغلقة وتأجيرها لحسابهم الخاص، مستندين إلى حالة التفكك واللامبالاة.

ولم يقف الأمر عند حدود التجاوز الإداري أو المالي، بل تجاوزه — في بعض الوقائع — إلى التهديد الصريح، كما حدث مع إحدى مالكات الشقق حين وُوجهت بتهديد بالخطف، وهو انحدار لا يمكن وصفه إلا بأنه ضربٌ من التهريج الممزوج بالخطر.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن في هذه الفئة نماذج مشرفة، تتسم بالأمانة والنزاهة، غير أن وجود هذه النماذج لا ينفي ما استشرى من ممارسات منحرفة.

والأدهى من ذلك، أن بعض السكان أنفسهم يوسّعون دائرة الخطأ؛ فيكلّفون البواب بأعمال السمسرة بيعًا وشراءً، ثم يعودون ليسائلوه: هل يدفع ضرائب على ما يفعل؟ هل هو مؤمَّن عليه اجتماعيًا وصحيًا؟ هل يرتبط بعقد عمل يضمن حقوقه وحقوق من يعول؟ وهل له معاش بعد التقاعد؟

وهو تساؤل يكشف مفارقة صارخة؛ إذ كيف يُطالَب بضوابط لم تُفرض عليه ابتداءً، وقد أُخرج بإرادتهم من حدود وظيفته إلى فضاءٍ بلا قانون؟

إنها منظومة مختلّة في أصلها:

تساهلٌ يُفضي إلى تجاوز،

وتجاوزٌ يتحوّل إلى عرف،

ثم استنكارٌ متأخر لما كان ثمرة إهمالٍ سابق.

وفي خضمّ ذلك، يبرز وجهٌ آخر للظلم؛ حين يُترك من أُكل حقه فريسةً للتشويه والتشهير، ويُدفع الرأي العام دفعًا إلى التعاطف مع من اعتدى، لا مع من اعتُدي عليه، وكأن الموازين قد اختلّت اختلالًا بيّنًا.

فالعدل لا يكون بتعميم الإدانة، ولا بإثارة الغوغاء، وإنما بإقامة الأمور على نصابها: تحديدٌ صارم للوظائف، ومنعٌ قاطع لأي تمدد خارجها، ومحاسبةٌ عادلة، لا تُفرّق بين قويّ وضعيف.

فحيث يغيب الضبط، يحضر التغوّل… وحيث يُهمَل الحق، يعلو صوت من لا حق له.

ليست هناك تعليقات: