2026-04-28

خريف الآباء


دكتور محمد الشافعي 

كبارُ السنِّ يعيشون طورًا بالغَ الحساسيّة من أعمارهم؛ طورًا تتراجع فيه قوى الجسد، وتعلو فيه أصواتُ الروح بما تحمله من شجنٍ وحنين. قد يضطجعون فلا ينامون، ويأكلون فلا يهضمون، ويبتسمون دون أن تبلغ الابتسامةُ قلوبَهم. يخفون دموعهم خلف ملامح هادئة، بينما تؤلمهم مسافاتُ البُعد، ويُثقلهم انشغالُ أبنائهم عنهم، حتى وهم بين أيديهم، منصرفين إلى هواتفهم أكثر مما هم منصتون لوجودهم.

يشعرون بانكسارٍ داخليٍّ عميق؛ إذ لم يعودوا محورَ البيوت كما كانوا، ولا بؤرةَ اهتمام العائلة كما عهدوا أنفسهم يومًا. فقدوا كثيرًا: صحتهم، نضارتهم، آباءهم وأمهاتهم، ورفاق دربهم، فتراكمت في صدورهم جراحٌ خفيّة، وانطوت نفوسهم على أحزانٍ صامتة. الكلمة التي لم تكن تؤثر فيهم زمن قوتهم، باتت اليوم توجعهم، وتلك التي كانت تجرحهم، أصبحت تذبحهم.

لقد غادر بهم قطارُ العمر محطةَ اللذّة، وأوقفهم في صالة انتظار الرحيل، مترقّبين النداء الأخير ليستجيبوا له. ومع ذلك، فإن حاجاتهم لم تعد تقف عند حدود الطعام والشراب والملبس والدواء، بل تجاوزتها إلى ما هو أعمق وأبقى؛ إلى المعنويات التي تغدو لديهم أعظم شأنًا من الماديات. في داخلهم فراغٌ واسع لا يملؤه إلا عقلاءُ رحِماء، يُحسنون الإصغاء، ويجيدون المواساة.

هم أقرب إلى الله، ودعاؤهم أرجى للقبول، فاغتنموا صحبتهم قبل أن ينفد الرصيد. لقد شابت شعورهم، ويبست مشاعرهم من وطأة الفقد، وخارت قواهم، وهم اليوم في أمسّ الحاجة إلى كلمة طيبة تداعب أسماعهم، وبسمة رقيقة تُضيء وجوههم، ويدٍ حانية تمتدّ إليهم بالعطاء، وعقلٍ حليم يستوعب رؤاهم ويحتمل تكرار حديثهم.

كونوا لهم عوضًا عمّا فقدوا، وسندًا فيما بقي، وعكّازًا يستندون إليه في مسيرهم المتعب. كونوا لهم ربيعًا في خريف أعمارهم، واملؤوا أيامهم بالأنس، ولياليهم بالطمأنينة، ليختتموا كتاب حياتهم بصفحاتٍ مشرقة من الإحسان. فحين يخلو المكان منهم، لا ينفع الندم، ولا تُجدي الحسرة.

تذكّروا أنهم اليوم كبارُ السن، وغدًا ستكونون أنتم في موضعهم؛ فانظروا ماذا تزرعون، وماذا تصنعون، واحذروا فوات الأوان. فإنما كما تُدينون تُدانون. احفظوا آباءكم إذا ابيضّت شعورهم، فلن تستطيعوا تعويضهم إن مضوا، وقد اشتدّ عودكم على أكتافهم حتى انحنت. فكونوا لهم سندًا إن مالوا، وظهيرًا إن وهنوا، ولا تشكوا تعبًا في خدمتهم؛ فهم من حملوا عنكم أثقال التعب، واحتملوا عنكم عناء الطريق.

ليست هناك تعليقات: