2026-04-14

الغث والسمين


 

دكتور محمد الشافعي 

 معادن الناس تُعرف في الضيق

......................................

ليس الناس سواءً حين تضيق الصدور وتثقل القلوب؛ ففي لحظات الانكسار تنكشف الحقائق، وتسقط الأقنعة، ويظهر الجوهر خالصًا لا يشوبه ادّعاء. هناك من يربّت على روحك بكلمة صادقة، أو حضور دافئ، أو صمتٍ يواسيك أكثر من ألف حديث؛ هؤلاء لا يُقاس فضلهم بميزانٍ عابر، بل يُكتب في سجلّ القلب عرفانًا لا يُمحى.

إن الذي يمدّ لك يدًا في عتمة الحزن، لا يفعل ذلك ترفًا، بل يهبك جزءًا من روحه، يشاركك وجعك كأنما هو وجعه، ويخفف عنك ثقل الأيام دون انتظار مقابل. فذلك إنسانٌ نادر، يستحق أن يُصان، وأن يُقابل وفاؤه بوفاء، وأن يُجبر خاطره كما جبر خاطرك، وأن يُذكر في غيبته كما يُشكر في حضوره.

وعلى النقيض، هناك من يختفي حين تحتاجه، ويغيب حين تضيق بك السبل، كأنما لم تجمعك به مودة، ولا شدّتكما لحظة صدق. هؤلاء لا ينبغي أن يُثقلوا الذاكرة ولا أن يُستدعى حضورهم في القلب؛ فغيابهم ليس خسارة، بل كشفٌ مبكر، ورحمةٌ خفية تُنقذك من وهم العلاقة. إن نسيانهم ليس قسوة، بل عدلٌ للنفس، وصيانةٌ للروح من التعلق بما لا يستحق.

لا تحزن على من تخلّى، فالحياة لا تُقاس بكثرة من حولك، بل بصدق من يبقى معك. بل احمد الله أن أراك حقيقة الناس في وقتٍ مبكر، قبل أن تُغرس جذورهم عميقًا في أرض قلبك. فالخسارة الحقيقية ليست في رحيلهم، بل في بقائهم زيفًا حتى يستفحل الضرر.

وفي النهاية، يبقى الصفاء عملة نادرة، لا يحملها إلا من صفا معدنه. فاحفظ هؤلاء القلائل، وكن لهم كما كانوا لك، وامضِ في طريقك خفيفًا من أثقال الزيف، ثابتًا على يقينٍ أن الله لا يُريك الحقائق إلا ليحفظك، ولا يُسقط الأقنعة إلا ليقرّبك من الصادقين.

ليست هناك تعليقات: