2026-06-10

النفاق الاداري

 


دكتور محمد العوادي 

النفاق الأكاديمي... حين تتحول القيم إلى سُلَّم للمصالح

من أكثر المشاهد إيلامًا داخل أي مؤسسة أكاديمية أن ترى النفاق وقد تمدد بين بعض أفراد المجتمع الأكاديمي حتى صار سلوكًا مألوفًا لا يثير الدهشة بقدر ما يثير الاشمئزاز. فالأصل في البيئة الجامعية أن تقوم على العلم والكفاءة والموضوعية واحترام العقول، لا على التملق وصناعة الولاءات الشخصية وتوزيع عبارات المديح وفقًا لموازين القوة والنفوذ.

إن النفاق في الحقل الأكاديمي ليس مجرد مجاملة زائدة أو كلمات عابرة، بل هو حالة من التلون المستمر يفقد فيها الإنسان ثباته الأخلاقي واحترامه لذاته. ترى أحدهم يبالغ في الثناء على مسؤول ما، ويحيطه بهالة من الإعجاب المفرط، حتى يخيل للناظر أنه لا يرى في المؤسسة كلها غير ذلك الشخص. ثم لا تلبث أن تراه بعد ساعات قليلة ينتقل إلى مسؤول آخر بالقدر نفسه من الحماس والانبهار والتمجيد، وكأن القناعات قد أصبحت ثوبًا يُبدَّل وفق مقتضيات المصلحة.

والمؤسف أن هذا النفاق يكون في كثير من الأحيان مكشوفًا للجميع. فلا يحتاج المرء إلى كثير من الفطنة ليكتشف أن الهدف ليس الاحترام الحقيقي ولا التقدير الصادق، وإنما البحث عن موقع أعلى أو مكسب شخصي أو منصب مرتقب. وحين يصبح المنصب هو الغاية المطلقة، تتحول المبادئ إلى أوراق قابلة للمساومة، ويتحول بعض الأشخاص إلى ما يشبه الحرباء التي تتغير ألوانها تبعًا للمكان الذي تقف فيه.

والكارثة الأكبر أن هذا السلوك لا يضر صاحبه وحده، بل يضر المؤسسة بأكملها. فحين يتقدم المتملقون على أصحاب الكفاءة، ويعلو صوت المادحين على صوت المخلصين، تتعرض العدالة للاهتزاز، وتفقد بيئة العمل جزءًا من نقائها، ويشعر أصحاب الجهد الحقيقي بأن ميزان التقدير لم يعد قائمًا على الإنجاز بل على مهارة التودد وصناعة العلاقات.

إن المؤسسات الأكاديمية العريقة لا تنهض بالنفاق ولا تُبنى بالمجاملات الفارغة، وإنما تقوم على الصدق والكفاءة والاستقلالية الفكرية واحترام القيم المهنية. فالمناصب زائلة، والأشخاص راحلون، أما السمعة الأخلاقية فتبقى شاهدة على صاحبها ما بقي أثره بين الناس.

ولذلك يبقى الإنسان الكريم هو الذي يحافظ على ثبات مواقفه وصدق كلماته، فلا يبيع احترامه لنفسه من أجل مكسب مؤقت، ولا يجعل لسانه أداة للتملق طلبًا لدرجة أعلى أو كرسي أقرب. فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يناله من مناصب، وإنما فيما يحتفظ به من كرامة ومصداقية واحترام.

ليست هناك تعليقات: