دكتور محمد الشافعي
هل تستحق كرة القدم كل هذا الوقت؟
لا أجد مبررًا لذلك الشغف الجارف الذي يجتاح الملايين تجاه كرة القدم، ولا أرى في متابعتها ما يستحق أن يُقتطع من عمر الإنسان ساعةً ونصف الساعة، وربما أكثر، كلما أقيمت مباراة جديدة. ولست أتحدث عن ممارستها، فممارسة الرياضة أمر محمود لما فيها من ترفيه وتنشيط للجسد وحفاظ على اللياقة، وإنما أتحدث عن الجلوس متفرجًا أمام شاشة يراقب لعبة لا يشارك فيها ولا يجني منها نفعًا حقيقيًا.
إنني لا أطلب من الناس أن يكرهوا كرة القدم كما أكرهها، ولا أن يتخلوا عن هواياتهم، فلكل إنسان ما يميل إليه. لكنني أدعو إلى أن يُسأل السؤال البسيط: ماذا أضافت إليك كل تلك الساعات التي قضيتها في متابعة المباريات؟ وهل خرجت منها بعلم، أو مهارة، أو خبرة، أو أثر يبقى؟
ولو نظرنا إلى اللعبة في جوهرها، فلن نرَ سوى اثنين وعشرين لاعبًا يتناوبون الركض خلف كرة واحدة؛هذا يمررها إلى زميله، وذاك يعيدها إلى الخلف، وثالث يرسلها إلى الجانب الآخر، ثم تتكرر الدورة من جديد
أين تكمن المتعة في هذا التكرار؟ وأي قيمة معرفية أو فكرية أو إنسانية يضيفها هذا المشهد إلى المتابع؟ إن أقصى ما يمكن أن يقال إنه مجرد وقت يمر، لكنه يمضي بلا ثمرة.
وقد يقول قائل إن جمال اللعبة يكمن في المهارات الفردية. ولكن حتى هذه اللحظات النادرة لا تكاد تبدأ حتى تجد لاعبًا آخر يندفع ليعرقل صاحب المهارة، أو يقطع عليه الكرة، أو يفسد عليه ما صنعه، فتعود المباراة إلى صورتها المعتادة من الكر والفر والتمريرات المتكررة. فإذا كانت أجمل لحظات اللعبة نفسها لا تلبث أن تُجهض، فأين ذلك الإبهار الذي يتحدث عنه الناس؟
إن ما يثير الدهشة أن كثيرًا من الناس يفرحون فرحًا عظيمًا لأن فريقًا انتصر، ويحزنون حزنًا بالغًا لأن فريقًا خسر، مع أنهم لم يركضوا خطوة واحدة في الملعب، ولم يسهموا في هذا الفوز أو تلك الهزيمة بشيء.
إن أكثر ما يدعو إلى التأمل أن الإنسان قد يقضي من عمره مئات الساعات، بل آلافها، وهو يتابع نتائج فرق ولاعبين لن تغير شيئًا في حياته، بينما كان يستطيع أن يستثمر جزءًا من هذا الوقت في قراءة كتاب، أو تعلم لغة، أو إتقان حرفة، أو بناء مشروع، أو حتى الاستمتاع برياضة يمارسها بنفسه.
إنني أرى أن الرياضة تُمارس ولا تُعبد، وأن الملعب مكان لمن يلعب، لا لمن يستهلك جزءًا معتبرًا من عمره في متابعة لعبة لا يعود عليه منها إلا انفعال مؤقت ينتهي مع صافرة الحكم. فالقيمة الحقيقية للوقت ليست في كيفية قتله، وإنما في كيفية استثماره، والإنسان العاقل هو من يجعل عمره رصيدًا من الإنجاز، لا سجلًا طويلًا من المباريات التي شاهدها.
إن العمر أقصر من أن يُستهلك في مراقبة الآخرين وهم يركضون. والأجدر بالإنسان أن يركض هو خلف مشروعه، وأن يبذل وقته في تعلم علم، أو اكتساب مهارة، أو بناء عمل، أو صناعة أثر يبقى بعده. فالمتعة الحقيقية ليست في التصفيق لإنجاز الآخرين، وإنما في أن يكون للإنسان إنجازه هو، وأن يكون فاعلًا في حياته، لا متفرجًا يقف على هامش الزمن.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق