دكتور محمد الشافعي
في مسيرة العمل الطويلة يلتقي الإنسان بأصناف شتى من البشر؛ فمنهم أصحاب النفوس النبيلة الذين يسعون إلى البناء والعطاء، ومنهم من جعلوا من المكر والخصومة منهجًا، ومن إثارة المشكلات هواية، ومن تتبع العثرات غاية لا تنتهي. وهؤلاء لا تشغلهم النجاحات بقدر ما تشغلهم محاولات التعطيل، ولا تستوقفهم الإنجازات بقدر ما تستفزهم رؤية الآخرين يحققون التقدم والاحترام.
وفي بعض البيئات المهنية قد يجد المرء نفسه محاطًا بأشخاص يمتلكون قدرًا كبيرًا من الذكاء، لكنه ذكاء لم يُسخَّر للخير أو للإبداع أو لخدمة المؤسسة، بل انحرف إلى مسارات أخرى قوامها الكيد والمناورة وإشعال الخلافات. فهم لا يستهلكون وقتهم في تطوير أنفسهم أو الارتقاء بأعمالهم، وإنما يستنزفون أعمارهم في تدبير المكائد ونسج الروايات وتأويل المواقف بما يخدم أغراضهم الضيقة.
ومع مرور الزمن يدرك الإنسان أن أفضل وسيلة للتعامل مع هذه النماذج ليست الدخول في صراعات لا تنتهي، ولا الانشغال بالرد على كل قول أو فعل، وإنما المحافظة على المسافة الآمنة. فالعاقل لا يضع نفسه طوعًا في دوائر التوتر، ولا يفتح أبواب حياته لمن اعتادوا نشر السلبية وإفساد الأجواء. إن تجنب الاحتكاك المباشر بمثل هؤلاء ليس ضعفًا ولا هروبًا، بل هو صورة من صور الحكمة وحسن إدارة النفس.
ولقد منَّ الله على بعض الناس ببصيرة تجعلهم يميزون بين من يستحق القرب ومن ينبغي الاكتفاء معه بالحدود الرسمية. فليس كل زميل يصلح أن يكون صديقًا، وليس كل من يشاركنا مكان العمل يستحق أن يشاركنا مساحات الثقة والاطمئنان. ومن الحكمة أن تُمنح القلوب لمن يحفظون الود، وأن تُحفظ المسافات مع من اعتادوا الإضرار بالآخرين.
إن الشر يظل عبئًا على صاحبه قبل أن يكون أذى لغيره، لأن النفوس التي تعيش على الكراهية والمؤامرات لا تعرف السكينة، أما أصحاب القلوب المطمئنة فينصرفون إلى أعمالهم ورسالتهم وأهدافهم، غير ملتفتين إلى الضجيج من حولهم. ولهذا يبقى النجاح الحقيقي أن يحافظ الإنسان على نقاء قلبه واتزانه، وأن يمضي في طريقه مستقيمًا، فلا تجره الأحقاد إلى مستنقعاتها، ولا تستدرجه العقول المظلمة إلى معاركها الصغيرة.
ففي النهاية، لا يُقاس الإنسان بعدد من خاصمهم أو انتصر عليهم، وإنما يُقاس بقدر ما أنجز، وبما تركه من أثر طيب، وبقدرته على أن يظل صاحب رسالة وقيم مهما ازدحمت من حوله نماذج الشر والاضطراب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق