2026-06-07

رفقاء الطريق

 

دكتور محمد الشافعي 

في رحلة الحياة الطويلة يلتقي الإنسان بوجوه كثيرة، ويعبر في دروبه مع أعداد لا تُحصى من البشر. بعضهم يمر مرور السحاب، وبعضهم يترك أثرًا عابرًا ثم يختفي، وبعضهم يظن المرء أنهم سيبقون إلى الأبد، فإذا بهم يرحلون عند أول منعطف أو أول اختبار.

ولهذا فإن الحكمة الحقيقية ليست في عدد من يحيطون بنا، بل في قيمة من يبقون حين تتغير الظروف وتتبدل الأحوال. فالحياة بطبيعتها كاشفة؛ تكشف المعادن الأصيلة من الزائفة، وتُظهر صدق المودة من زيف المجاملة، وتفرز العلاقات كما يفرز الذهب من بين الصخور.

كثيرون يلتفون حول الإنسان حين يكون قويًا أو ناجحًا أو صاحب مكانة، لكن القلة فقط هي التي تظل حاضرة عندما تتعثر الخطوات أو تثقل الأيام بالأعباء. هناك من يرافقك في أوقات الفرح، وهناك من يرافقك في أوقات الشدة، والفرق بين الاثنين كبير. فالأول قد تدفعه الظروف السهلة، أما الثاني فيدفعه الوفاء والمحبة الصادقة.

ومع مرور السنوات يكتشف الإنسان أن دوائر معارفه تتقلص شيئًا فشيئًا، لا لأن الناس أصبحوا أقل، بل لأن الرؤية أصبحت أوضح. فيتعلم أن يميز بين من يحب حضوره ومن يحتاج إلى وجوده، وبين من يقترب لمصلحة عابرة ومن يقترب بدافع المودة الخالصة. وعندها يدرك أن خسارة بعض العلاقات ليست خسارة في الحقيقة، بل هي عملية تنقية طبيعية تترك حوله الأشخاص الأكثر صدقًا وإخلاصًا.

إن القلة الوفية التي تبقى مع الإنسان حتى آخر العمر هي أثمن من كثرة تحيط به ثم تتبدد مع أول ريح. فالصديق الحقيقي لا يقاس بطول سنوات المعرفة، بل بقدر ما يقدمه من صدق وثبات حين يحتاجه صاحبه. والإنسان النبيل لا يثبت وجوده بكثرة الكلام، وإنما بثبات الموقف وحسن العشرة ودوام الود.

لذلك لا تحزن إذا تناقص العدد حولك مع الأيام، فالحياة لا تقاس بالكثرة، وإنما بالنوعية. وما أجمل أن يصل المرء إلى مرحلة يدرك فيها أن القلوب الصادقة القليلة خير من الجموع الكثيرة المتقلبة. فهؤلاء الذين يبقون رغم تغير الفصول، ويتشبثون بالمودة رغم قسوة الظروف، هم الثروة الإنسانية الحقيقية، وهم الرفقة التي تجعل العمر أكثر دفئًا وطمأنينة ومعنى.

فليس المهم كم شخصًا عرفته في حياتك، بل كم شخصًا بقي وفيًا عندما اختبرته الحياة واختبرته الأيام.

ليست هناك تعليقات: