دكتور محمد الشافعي
من الحقائق التي علمتني إياها الحياة أن التربية الحقيقية لا تتغير بتغير الأحوال، وأن الإنسان الذي نشأ على الاحترام يظل محترمًا مهما تبدلت ظروفه، سواء كان فقيرًا أو غنيًا، قويًا أو ضعيفًا، مشهورًا أو مغمورًا. فالأخلاق ليست ثوبًا يرتديه المرء حينًا ويخلعه حينًا آخر، بل هي جزء من تكوينه الإنساني وأصل راسخ في شخصيته.
ولهذا كثيرًا ما نرى أناسًا فتح الله عليهم أبواب الرزق أو نالوا قدرًا من المكانة والنجاح، فازدادوا تواضعًا وأدبًا وحسن معاملة، لأنهم أبناء بيوت عرفت معنى التربية قبل أن تعرف معنى المال، وفهمت قيمة الإنسان قبل أن تفهم قيمة المنصب.
وفي المقابل، هناك من إذا تبدلت أحواله قليلًا، أو نال شيئًا من الجاه أو النفوذ، ظن أنه أصبح فوق الناس جميعًا، فتغيرت لهجته، وتعالت نبرته، ونظر إلى الآخرين باستعلاء وغرور. وهؤلاء لا يكشف النجاح معدنهم الجديد، بل يكشف معدنهم القديم الذي كان مستترًا خلف ظروفهم السابقة. فالتواضع لا يصنعه الفقر، كما أن الغرور لا يصنعه الغنى، وإنما كلاهما يكشفان ما هو موجود أصلًا في النفس.
إن الإنسان الأصيل يظل وفيًّا لأخلاقه مهما ارتفع شأنه، لأن جذوره ثابتة وقيمه راسخة. أما من كانت نفسه هشة، فإن أول نفحة من نفحات السلطة أو المال أو الشهرة قد تدفعه إلى التكبر والتعالي، وكأنه يحاول أن يعوض نقصًا قديمًا أو شعورًا دفينًا لم يستطع التخلص منه.
ولذلك فإن معيار الحكم على الناس ليس ما يملكونه، بل كيف يتصرفون عندما يملكون. فهناك من يزداد رفعة كلما ارتفع قدره، وهناك من يكشف الارتفاع ضآلة ما بداخله. والأيام كفيلة بأن تُظهر الفارق بين صاحب الأصل الكريم وصاحب النفس المتعالية، لأن الأصل الطيب لا يتغير، أما الادعاء فلا يصمد طويلًا أمام اختبارات الحياة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق