دكتور محمد الشافعي
العتاب... متى يكون واجبًا، ومتى يفقد معناه؟
ليست كل الأخطاء تستحق العتاب، وليست كل الجراح تحتاج إلى كلمات. فهناك مواقف يكون فيها العتاب دليلًا على بقاء الود، ورغبةً صادقة في إصلاح ما أفسدته لحظة غضب أو سوء فهم. لكن هناك مواقف أخرى يصبح فيها العتاب عبثًا لا طائل منه، لأن الحقيقة تكون قد أعلنت نفسها بوضوح، ولم يعد الفعل بحاجة إلى تفسير، ولا يحتاج المسيء إلى من يذكّره بما اقترفت يداه.
فالعتاب لا يكون إلا حين يكون الخطأ عارضًا، أو التقصير غير مقصود، أو حين يجهل الطرف الآخر مقدار الألم الذي سببه. عندها يصبح الحوار وسيلة لاستعادة الصفاء، وتتحول الكلمات إلى جسر يعيد الثقة، ويمنح العلاقة فرصة جديدة للحياة.
أما إذا كان الأذى متعمدًا، والإهانة مقصودة، والخذلان قرارًا اتُّخذ عن وعي، فإن العتاب يفقد قيمته، لأن الإنسان لا يحتاج إلى من يخبره بما ارتكب. فالظالم يعلم أنه ظلم، والمسيء يعلم أنه أساء، ومن تخلى عنك في أول اختبار يدرك تمامًا ما فعل، فلا ينتظر منك درسًا في الأخلاق، ولا يجهل أثر تصرفه.
والمؤسف أن أصحاب القلوب الصافية كثيرًا ما يرهقهم حسن الظن، فيبحثون عن الأعذار، ويؤجلون مواجهة الحقيقة، ويقنعون أنفسهم بأن ما حدث كان مجرد سوء تقدير، بينما الواقع يؤكد أن بعض الأفعال ليست أخطاء عابرة، وإنما تعبير صريح عن حقيقة أصحابها.
إن الأفعال المؤذية لا تحتاج إلى تفسير، لأنها تحمل رسالتها في ذاتها. فالتجاهل المتعمد رسالة، والخذلان رسالة، والإهانة رسالة، وكل موقف يكشف لك مكانتك الحقيقية عند الآخرين. ومن الحكمة أن تقرأ هذه الرسائل كما جاءت، لا كما تتمنى أن تكون.
ولهذا، فإن الرد المناسب على الأذى المتعمد ليس الإكثار من العتاب، بل اتخاذ الموقف الذي يحفظ الكرامة. فالعتاب يُمنح لمن أخطأ وهو حريص على بقائك، أما من تعمد إيذاءك، فقد أنهى بفعله كل حديث كان يمكن أن يدور بينكما.
إن نضج الإنسان لا يظهر في قدرته على العتاب، وإنما في قدرته على التمييز بين من يستحق فرصة أخرى، ومن أثبت بأفعاله أن الرحيل عنه هو القرار الأصوب. فليس كل صمت ضعفًا، وليس كل انسحاب هزيمة، بل قد يكون أبلغ صور احترام النفس، وأرقى أشكال الحكمة.
ولهذا، لا تُهدر كلماتك في عتاب من لا يبالي، ولا تستنزف مشاعرك مع من حسمت أفعاله موقفه منك. ولا تستنزف مشاعرك مع من كشفت أفعاله حقيقته.
فالعتاب لا يكون إلا لمن بقي في قلبه مكان للمودة، أما من أغلق هذا الباب بيده، فقد جعل أفعاله آخر حديث بينكما.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق