2026-06-19

الإعلام مهنة من لا مهنة له

 

دكتور محمد الشافعي 

في خضم التزاحم الهائل الذي تشهده وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، يجد المرء نفسه أمام سيلٍ لا ينقطع من المحتويات والآراء والتعليقات والبثوث المباشرة، حتى بات من الصعب التمييز بين الإعلامي الحقيقي وصانع الضجيج، وبين صاحب الرسالة وصاحب المصلحة.

لقد كانت مهنة الإعلام في الماضي من المهن التي تتطلب إعداداً ومعرفة وثقافة وخبرة، وكان الوصول إلى الجمهور يمر عبر مراحل من التأهيل والاختبار والتدرج المهني. أما اليوم فقد أزالت وسائل التواصل كثيراً من الحواجز، وهو أمر يحمل جانباً إيجابياً يتمثل في إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم، لكنه في المقابل فتح الباب على مصراعيه أمام أعداد هائلة من الأشخاص الذين اقتحموا المجال دون امتلاك الحد الأدنى من أدواته أو أخلاقياته.

فكل لحظة يظهر بلوجر جديد أو صانع محتوى جديد يقدم مادة لا تحمل في كثير من الأحيان قيمة معرفية أو ثقافية أو إنسانية حقيقية، بل تقوم على الإثارة والجدل واستفزاز المشاعر وجذب المشاهدات. والأخطر من ذلك أن أساليب التقديم أصبحت في أحيان كثيرة بعيدة عن الذوق العام، وتفتقر إلى الاحترام والرقي، حتى صار البعض يعتقد أن رفع الصوت أو افتعال المشكلات أو اقتحام خصوصيات الناس هو الطريق الأسرع إلى الشهرة.

والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يدفع شخصاً يفتقر إلى المعرفة والخبرة والتخصص إلى أن ينصب نفسه موجهاً للرأي العام أو مؤثراً في عقول الناس؟ وكيف يرى نفسه مؤهلاً للحديث في السياسة والاقتصاد والتاريخ والطب وعلم النفس في الوقت ذاته؟ إن الجرأة على الظهور لا تعني امتلاك الكفاءة، وكثرة المتابعين لا تعني صحة ما يُقال.

ولا يخفى على أحد أن الدافع الأساسي لدى كثير من هؤلاء أصبح تحصيل الأموال وحصد الإعلانات والمشاهدات، حتى تحولت بعض المنصات إلى أسواق ضخمة للفت الانتباه بأي وسيلة كانت، بغض النظر عن القيمة أو الرسالة أو المسؤولية.

أما الإعلام الرسمي والتليفزيوني، الذي كان من المفترض أن يكون أكثر التزاماً بالمهنية والمعايير، فقد وقع هو الآخر في كثير من الأحيان في فخ المنافسة على نسب المشاهدة، فتراجعت البرامج الثقافية والفكرية والعلمية، وازدادت المساحات المخصصة للصخب والجدل والموضوعات السطحية. 

وأصبح بعض مقدمي البرامج نجوماً قبل أن يكونوا إعلاميين، وانشغل بعضهم بصناعة الصورة أكثر من انشغاله بصناعة الوعي.

إن المشكلة الحقيقية ليست في تعدد المنصات ولا في حرية التعبير، فهاتان من مكتسبات العصر، وإنما في غياب المعايير التي تميز بين الإعلام بوصفه رسالة ومسؤولية، وبين المحتوى بوصفه وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق الأرباح.

ويبقى المجتمع في حاجة دائمة إلى إعلام حقيقي يحترم عقل المتلقي، ويقدم المعرفة قبل الإثارة، والحقيقة قبل الشهرة، والقيمة قبل الربح. فالأمم لا تبنى بالضجيج، وإنما تبنى بالكلمة الصادقة والفكر الرصين والوعي المستنير.

واؤكد أن رؤيتي الأساسية ليست رفض الإعلام الجديد في حد ذاته، بل الاعتراض على غياب المعايير المهنية وهيمنة السعي وراء المشاهدات والأموال على حساب القيمة الحقيقية للمحتوى.

ليست هناك تعليقات: