2026-06-10

أشباه البشر



 

دكتور محمد الشافعي 

حين نتأمل البشر من حولنا نكتشف أن اختلاف الأسماء والوجوه لا يمنع وجود تشابهات مدهشة في الطباع والسمات والأنماط الإنسانية. صحيح أن لكل إنسان شخصيته المستقلة التي تشكلت عبر تجاربه وخبراته وظروف حياته، لكن الملاحظة الدقيقة تكشف أن بعض الشخصيات تبدو وكأنها نسخ متقاربة من بعضها بعضًا، حتى ليخيل إلينا أحيانًا أننا أمام شخص واحد يرتدي وجوهًا متعددة.

ففي محيط العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية نصادف أشخاصًا تتشابه ردود أفعالهم، وطريقة حديثهم، وأسلوب تعاملهم مع الآخرين، بل وحتى نظرتهم إلى الحياة. وقد يصل هذا التشابه إلى درجة تجعلنا نستحضر فورًا شخصية عامة أو معروفة كلما تعاملنا مع أحدهم.

فنجد ذلك الإنسان الهادئ الرزين الذي يزن كلماته قبل أن ينطق بها، فيذكرنا بشخصية اشتهرت بالحكمة والاتزان. ونجد آخر يمتلك خفة الظل والقدرة على إضفاء البهجة في أي مجلس، فيستحضر إلى أذهاننا نمطًا إنسانيًا مألوفًا عرفناه في شخصية عامة أو فنية أو أدبية. كما نصادف المتكبر الذي لا يرى إلا نفسه، والمتواضع الذي يسبق احترامه كلامه، والمجتهد الذي لا يعرف الراحة، والحالم الذي يعيش في عوالمه الخاصة.

ولعل الطريف في الأمر أن الإنسان مع مرور الوقت يبدأ في تكوين أرشيف ذهني للشخصيات التي يقابلها. فيصبح كل شخص جديد أشبه بقطعة أحجية يبحث لها العقل عن موضع مناسب بين الصور المخزنة في الذاكرة. فيقول في نفسه: هذا يشبه فلانًا في هدوئه، وذاك يشبه آخر في طموحه، وثالث يذكرني بشخص عرفته منذ سنوات طويلة.

غير أن التشابه هنا لا يعني التطابق الكامل، فلكل إنسان بصمته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد. قد تتشابه الملامح النفسية أو السلوكيات أو طريقة التفكير، لكن يبقى لكل فرد عالمه الداخلي وتجاربه الفريدة التي تمنحه خصوصيته وتميزه عن غيره.

إن البشر، في النهاية، يشبهون الكتب؛ قد تتشابه الأغلفة والعناوين أحيانًا، وقد تتقارب بعض الصفحات، لكن القراءة المتأنية تكشف دائمًا أن لكل كتاب حكايته الخاصة، ولكل إنسان فصلًا لا يشبه سواه مهما بدت أوجه الشبه كثيرة ومتعددة.

ليست هناك تعليقات: