دكتور محمد العوادي
من أول ما يكشف الإنسان عن أخلاقه طريقته في مخاطبة الآخرين، فالكلمات ليست مجرد أصوات تُلقى في الهواء، بل هي مرايا تعكس التربية والذوق واحترام الناس. ولهذا كان حسن النداء من أول أبواب حسن المعاملة، وكان اختيار اللفظ اللائق عنواناً على رقي صاحبه.
ومن الظواهر التي انتشرت في بعض البيئات أن يستوقف المرء غيره بعبارة: "بسسس"، وكأنها وسيلة عادية للفت الانتباه. غير أن هذا الأسلوب لا ينسجم مع أبسط قواعد الذوق العام، بل يترك في النفس انطباعاً غير مستحب؛ لأنه في الثقافة الشعبية ارتبط غالباً بنداء الحيوانات الأليفة، مما يجعله غير مناسب عند مخاطبة إنسان له مكانته وكرامته.
فالإنسان لم يُكرَّم إلا بالعقل واللسان، ومن تمام هذا التكريم أن يُنادى باسمه أو بصفة تليق به. وما أكثر البدائل الراقية التي تزخر بها لغتنا الجميلة؛ كأن نقول: "لو سمحت"، أو "معذرة"، أو "يا أستاذ"، أو "يا فندم"، أو غير ذلك من العبارات التي تفتح القلوب قبل أن تستجلب الانتباه.
والحقيقة أن الانطباع الأول يتشكل في لحظات قليلة، وربما كانت كلمة واحدة كافية لأن ترسم صورة كاملة عن صاحبها. فمن يستوقف الناس بعبارات جافة أو غير لائقة قد يترك أثراً سلبياً قبل أن يبدأ حديثه، بينما يكسب المهذب احترام الآخرين منذ أول كلمة ينطق بها.
إن الرقي لا يظهر في المواقف الكبيرة وحدها، بل يتجلى أيضاً في التفاصيل الصغيرة التي قد يظنها البعض عابرة. وطريقة النداء واحدة من هذه التفاصيل التي تكشف معدن الإنسان وثقافته. لذلك احرص أن يكون مدخلك إلى الناس لطيفاً، وأن تكون كلماتك جسراً للمودة لا سبباً للنفور.
فاجعل تعاملك الأول دائماً مفعماً بالاحترام وحسن الأدب، حتى لو كان الأخير؛ لأن الأخلاق ليست رد فعل، بل هي قيمة ثابتة تعبر عن صاحبها قبل أن تعبر عن غيره.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق