دكتور محمد الشافعي
أغلى الدروس تأتي من أرخص الناس
من غرائب الحياة أن بعض أعظم الدروس التي تغير الإنسان لا تأتي على يد الحكماء أو المربين أو أصحاب الفضل، وإنما قد تأتي على يد أشخاص لم يكن لهم في حياتنا قدر كبير من القيمة أو المكانة. أشخاص ربما دخلوا حياتنا عابرين، لكنهم تركوا أثرًا لا يُنسى، وفتحوا أعيننا على حقائق لم نكن نراها من قبل.
إن الإنسان في بداياته يتعامل بقلبه أكثر مما يتعامل بعقله، ويمنح ثقته بسخاء، ويظن أن صفاء نيته كافٍ ليجعل الآخرين على شاكلته. لكنه مع مرور الزمن يكتشف أن الحياة ليست دائمًا بهذه البساطة، وأن النفوس تختلف، وأن بعض الناس لا يقابلون الإحسان بالإحسان، ولا يقدرون الوفاء، ولا يعرفون قيمة المشاعر الصادقة.
وهنا تأتي التجارب المؤلمة. قد تجرحنا، وقد تربكنا، وقد تترك في نفوسنا أثرًا من الحزن أو الخيبة، لكنها في الوقت ذاته تؤدي دورًا مهمًا في تشكيل شخصياتنا. فهي تعلمنا متى نعطي، ولمن نعطي، وكيف نوازن بين طيبة القلب وحكمة العقل. وتدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي كنا نؤمن بها.
بعض الأشخاص يدخلون حياتنا ليكونوا درسًا أكثر من كونهم علاقة، وعبرة أكثر من كونهم رفقة. وربما كان وجودهم مؤلمًا في حينه، لكننا بعد سنوات ندرك أنهم ساهموا في بناء جزء مهم من شخصيتنا، وأنهم أجبرونا على اكتشاف جوانب من القوة لم نكن نعلم بوجودها داخلنا.
ولذلك فإن التجارب القاسية، على قسوتها، ليست دائمًا شرًا خالصًا. فهي تصقل الإنسان كما تصقل النار المعادن النفيسة، وتمنحه قدرة أكبر على التمييز والفهم والنضج. وما يبدو اليوم جرحًا مؤلمًا قد يتحول غدًا إلى حكمة ثمينة يستعين بها الإنسان في بقية رحلته.
فليست كل الخسائر خسائر، وليست كل الآلام عبثًا. فبعض الأشخاص يرحلون، لكن الدرس الذي يتركونه يبقى معنا ما بقي العمر، ليذكرنا أن النضج لا يُمنح مجانًا، وإنما يُكتسب عبر التجارب، وأن أغلى دروس الحياة كثيرًا ما تأتي من أكثر الأشخاص بخلًا في المشاعر وأقلهم قيمة في الميزان الإنساني.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق