2026-06-12

معادلة التردي

 


مهندس عاصم شاكر 

تُختزل أحيانًا أزمات المجتمعات في معادلات بسيطة، لكنها تحمل في طياتها معاني عميقة ودلالات خطيرة. ومن هذه المعادلات ما يشير إلى أن اجتماع الفن الهابط، والإعلام غير المسؤول، والتعليم الضعيف، مع انتشار الفقر والابتعاد عن منظومة القيم والأخلاق، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى حالة عامة من الفساد والتردي في مختلف مناحي الحياة.

إن الفن في جوهره رسالة سامية تهذب الوجدان وترتقي بالذوق العام، لكنه حين يتحول إلى أداة لنشر التفاهة وتسطيح الوعي، فإنه يفقد دوره الحضاري ويصبح عاملًا من عوامل الانحدار الثقافي. وكذلك الإعلام، الذي يفترض أن يكون منبرًا للحقيقة والتنوير، فإذا انجرف وراء الإثارة الرخيصة أو التزييف أو صناعة الوهم، فإنه يسهم في تشويه الإدراك العام وإضعاف قدرة المجتمع على التمييز بين الصواب والخطأ.

أما التعليم، فهو الركيزة الأساسية لبناء الأمم. وحين يتراجع مستواه أو يتحول إلى مجرد شهادات وأوراق لا تصنع معرفة حقيقية ولا تبني عقلًا ناقدًا، فإن المجتمع يفقد أهم أدوات تقدمه. فالأمم لا تنهض بالموارد وحدها، بل بالعقول القادرة على التفكير والإبداع والإنتاج.

ويأتي الفقر ليزيد المشهد تعقيدًا؛ إذ يفرض على كثير من الناس الانشغال بتأمين ضروريات الحياة على حساب الثقافة والمعرفة والتنمية الذاتية. وليس الفقر المادي وحده هو المشكلة، بل ما قد يصاحبه أحيانًا من شعور بالعجز أو فقدان الأمل إذا غابت فرص التغيير والارتقاء.


ثم تظل القيم والأخلاق الحصن الأخير الذي يحفظ تماسك المجتمعات. فإذا ضعفت منظومة القيم أو تراجع تأثيرها في السلوك العام، انتشرت الأنانية، وتراجعت المسؤولية، وضعفت الثقة بين الأفراد، وأصبح تحقيق المصلحة الخاصة مقدمًا على المصلحة العامة.

غير أن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن هذه العوامل ليست قدرًا محتومًا، كما أن وجود أحدها لا يعني بالضرورة انهيار المجتمع. فالتاريخ يخبرنا أن الشعوب القادرة على مراجعة نفسها، والتمسك بقيمها، والاستثمار في التعليم الجاد، ودعم الفن الراقي والإعلام المسؤول، تستطيع أن تتجاوز أزماتها وتعيد بناء حاضرها ومستقبلها.

إن نهضة المجتمعات لا تُصنع بقرار واحد ولا بمؤسسة واحدة، وإنما هي ثمرة تكامل بين الوعي والثقافة والتعليم والقيم والعمل الجاد. وكلما ارتفعت هذه العناصر واشتد ترابطها، ارتفع معها الإنسان، وارتقت الأمة، واستعادت قدرتها على البناء والتقدم.

ليست هناك تعليقات: