دكتور محمد العوادي
أتعجب دومًا من أداء بعض الإعلاميين، ويزداد عجبي من آليات اختيارهم للظهور على الشاشات وتصدُّر المشهد الإعلامي. فالإعلام ليس مجرد وجه مألوف أو صوت يصل إلى المتلقي، بل هو رسالة ومسؤولية وثقافة وقدرة على التأثير في الرأي العام وصياغة الوعي الجمعي. ولهذا فإن أي خلل في اختيار القائمين على هذه المهمة ينعكس بصورة مباشرة على جودة المحتوى واحترام عقل المشاهد.
المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن بعض مقدمي البرامج يفتقرون إلى أبسط مقومات المهنة؛ فمنهم من لا يمتلك أدوات الحوار، ومنهم من يعاني ضعفًا واضحًا في الإلقاء، ومنهم من يتحدث بسرعة مفرطة تجعل المتابعة مرهقة، ومنهم من يبدو وكأنه مجرد ناقل لما يُملى عليه عبر سماعة الأذن دون أن يضيف رؤية أو تحليلًا أو شخصية مهنية مستقلة.
والأكثر إزعاجًا أن بعض المحاورين لا يدركون أن الحوار فن قائم بذاته. فبدلًا من طرح سؤال واضح ومختصر يتيح للضيف التعبير عن أفكاره، نجد المذيع أو المذيعة يستغرق في شرح السؤال وتفسيره والتعليق عليه، وربما الإجابة عنه أيضًا، ثم لا يترك للضيف إلا دقائق معدودة أو كلمات مقتضبة. وهنا يفقد الحوار قيمته ويتحول إلى استعراض من طرف واحد، بينما يكون المشاهد هو الخاسر الأكبر.
إن الإعلام الحقيقي لا يقوم على الصخب ولا على كثرة الحركة والكلمات، بل على المعرفة والاتزان والقدرة على إدارة النقاش بذكاء واحترام. فالمذيع الناجح هو من يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يسأل ومتى يترك المجال للإجابة، وهو الذي يحترم ضيفه كما يحترم مشاهديه، فلا يستخف بعقولهم ولا يظن أن الإثارة المصطنعة يمكن أن تكون بديلًا عن المحتوى الجاد.
لقد كانت البرامج الجادة في الماضي ساحات للنقاش الراقي وتبادل الأفكار، وكان المذيع المثقف جزءًا من قيمة البرنامج وسببًا رئيسيًا في نجاحه. أما اليوم، ففي كثير من الأحيان أصبح الشكل يتقدم على الجوهر، وأصبحت معايير الظهور الإعلامي لا تعكس دائمًا الكفاءة أو الثقافة أو المهنية.
ويبقى السؤال مطروحًا: أين الإعلامي الذي يقرأ قبل أن يتحدث؟ وأين المحاور الذي يحترم عقل المشاهد ويخاطبه باعتباره شريكًا في المعرفة لا مجرد متلقٍ سلبي؟ وأين البرامج التي تناقش قضايا المجتمع بعمق وموضوعية ورقي؟
إن نهضة الإعلام لا تبدأ من الاستوديوهات الفاخرة ولا من التقنيات الحديثة، بل تبدأ من الإنسان القادر على حمل الرسالة الإعلامية بأمانة وكفاءة واحترام. فالإعلام الذي لا يحترم عقل جمهوره يفقد قيمته، مهما كثرت شاشاته واتسعت مساحاته.

هناك تعليق واحد:
أحسنت أستاذنا الفاضل
د.عبد الرازق الكومي
إرسال تعليق