2026-01-18

الطلاق في مصر القديمة



كتب الاثري باسم ابو زيد 

هل عرف المصري القديم الطلاق؟ 

قراءة علمية موثقة في ضوء بردية إلفنتين

..........................

لم يكن الطلاق في مصر القديمة أمرًا عشوائيًا أو فعلًا لحظيًا يخضع للأهواء الشخصية، كما قد يتصور البعض، بل كان إجراءً قانونيًا منظمًا تحكمه عقود مكتوبة وأعراف اجتماعية واضحة. فقد عرف المصري القديم نظام الزواج التعاقدي، حيث يُبرم عقد زواج يُحدد فيه المهر، وحقوق الزوجة، والالتزامات المادية المترتبة على الزوج في حال حدوث انفصال.

وكان الطلاق، في هذا الإطار، نتيجة قانونية محتملة أُخذت في الاعتبار منذ لحظة إبرام عقد الزواج. فإذا وقع الانفصال، التزم الزوج بتنفيذ ما ورد في العقد من ردّ المهر، ومنح الزوجة تعويضًا ماليًا أو نصيبًا من الممتلكات يضمن لها حياة كريمة بعد الطلاق.

ولم تكن الزوجة طرفًا ضعيفًا أو مجرد متلقٍ للقرار؛ بل تمتعت بحقوق قانونية واضحة، إذ كان من حقها اللجوء إلى القضاء وطلب الطلاق إذا ثبت لديها سبب معتبر، كإساءة المعاملة أو الإهمال. وكان القضاة ينظرون في شكواها، ويستمعون إلى الطرفين، ثم يصدرون حكمهم وفقًا للأعراف والقوانين السائدة.

واللافت أن الطلاق في المجتمع المصري القديم لم يُنظر إليه بوصفه وصمة اجتماعية أو عيبًا أخلاقيًا، بل كان جزءًا طبيعيًا من الحياة الاجتماعية، ولم يكن يمنع أيًّا من الطرفين، وخاصة المرأة، من الزواج مرة أخرى دون تبعات اجتماعية سلبية.


  • الأدلة الوثائقية على الطلاق في مصر القديمة

تؤكد البرديات المكتشفة، وخاصة برديات العقود الزوجية، أن الطلاق كان إجراءً موثقًا ومكتوبًا. فقد احتوت هذه الوثائق على نصوص صريحة تُلزم الزوج بردّ المهر، ومنح الزوجة حقوقها المادية كاملة عند وقوع الطلاق.

ومن أبرز هذه الأدلة برديات جزيرة إلفنتين (الفيلة)، التي تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وتضم عقود زواج وطلاق تكشف بوضوح عن الوضع القانوني للمرأة، وحقها في طلب الانفصال، بل وحصولها عليه إذا قُدّم سبب مقبول إلى القضاء.

كما تؤكد البرديات الديموطيقية من العصر المتأخر، لا سيما في العصرين البطلمي والروماني، أن الطلاق كان يتم أحيانًا بالتراضي، من خلال وثيقة انفصال رسمية تنص على أن الزوجين قد افترقا برضاهما، وأن كلًّا منهما أصبح حرًّا في شؤونه الشخصية.


  • بردية إلفنتين نموذجًا تطبيقيًا

تمثل بردية إلفنتين إحدى أوضح الشواهد على تنظيم الطلاق في مصر القديمة. فهي وثيقة طلاق رسمية صادرة من جزيرة الفيلة، تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ويعلن فيها الزوج صراحة انفصاله عن زوجته بصيغة قانونية واضحة.

يتضمن نص الوثيقة إقرار الزوج بأنه قد طلّق زوجته اعتبارًا من تاريخ معين، وأنها لم تعد زوجته، وأن لها كامل الحرية في الزواج من أي رجل آخر، دون أن يكون له أي حق عليها بعد ذلك. كما يلتزم بردّ المهر المتفق عليه في عقد الزواج، تنفيذًا لما تم الاتفاق عليه سابقًا.

وقد كُتبت هذه الوثيقة بحضور شهود، وخُتمت رسميًا، لضمان صفتها القانونية. ويُعدّ التأكيد على “حرية” الزوجة عنصرًا بالغ الدلالة، إذ يبرز اعتراف المجتمع والقانون بحقها الكامل في بدء حياة جديدة دون قيد أو لوم.


  • أهمية بردية إلفنتين

تكتسب هذه الوثيقة أهميتها من عدة جوانب جوهرية، من أبرزها:

1. تأكيد أن الطلاق كان إجراءً قانونيًا موثقًا، لا مجرد لفظ شفهي.

2. ضمان حقوق المرأة المادية والشخصية، وعلى رأسها ردّ المهر وحرية الزواج.

3. إبراز نظرة المجتمع المصري القديم إلى الطلاق بوصفه أمرًا طبيعيًا تحكمه قواعد واضحة وإجراءات معروفة.

وبذلك تكشف بردية إلفنتين، وغيرها من الوثائق، عن مستوى متقدم من التنظيم القانوني والاجتماعي في مصر القديمة، وعن مكانة قانونية معتبرة للمرأة، سبقت في كثير من جوانبها مجتمعات لاحقة بزمن طويل.

ليست هناك تعليقات: