2026-01-17

الملكية في مصر القديمة

 






دكتور محمد العوادي 

تطوّر مفهوم الملكية الإلهية في مصر القديمة

من الحاكم المقدّس إلى ابن الإله

مقدمة

تُعد فكرة الملكية الإلهية من أكثر المفاهيم تعقيدًا في الحضارة المصرية القديمة، إذ لم تكن ثابتة أو جامدة، بل مرّت بمراحل تطور واضحة ارتبطت بالسياق السياسي والديني والاجتماعي لكل عصر. فالملك لم يكن مجرد حاكم دنيوي، بل كيانًا ذا طبيعة مزدوجة، بشرية وإلهية، تتغير درجة هذه الإلهية تبعًا للمرحلة التاريخية.

يهدف هذا المقال إلى تتبع تطور مفهوم الملكية الإلهية منذ عصور ما قبل الأسرات وحتى الدولة الحديثة، مع عرض آراء عدد من كبار علماء المصريات.

---

أولًا: جذور الملكية المقدسة في عصور ما قبل الأسرات

يرى والتر إمري (Walter B. Emery) أن جذور الملكية الإلهية تعود إلى عصور ما قبل الأسرات، حيث كان زعيم القبيلة يُنظر إليه باعتباره الوسيط بين الجماعة والقوى الكونية. ويستدل إمري على ذلك من الرموز الحيوانية المصاحبة لأسماء الزعماء، والتي تعكس اندماج السلطة بالقوى الطبيعية.

أما هنري فرانكفورت (Henri Frankfort) فيؤكد أن الملك في هذه المرحلة لم يكن إلهًا بالمعنى الكامل، بل شخصًا مقدسًا يتمتع بقوى خارقة نابعة من دوره الطقسي وليس من طبيعته الذاتية.

---

ثانيًا: الدولة المبكرة وبداية تأليه الملك

مع توحيد القطرين في عصر الملك نارمر، ظهر مفهوم الملك باعتباره ضامن النظام الكوني (ماعت).

يرى جيمس هنري بريستد (James Henry Breasted) أن الملك في الدولة المبكرة أصبح يُنظر إليه بوصفه تجسيدًا حيًا للنظام، وليس مجرد حاكم مفوّض من الآلهة.

وتشير نقوش صلاية نارمر إلى أن الملك يقف في موضع أعلى من البشر، لكنه لا يزال خاضعًا لمنظومة دينية أوسع، ما يعكس مرحلة انتقالية بين القداسة والتأليه.

---

ثالثًا: الدولة القديمة والملك بوصفه إلهًا حيًا

في الدولة القديمة، بلغ مفهوم الملكية الإلهية ذروته.

يؤكد كورت زيتّه (Kurt Sethe) أن نصوص الأهرام تُظهر الملك بوضوح باعتباره كائنًا إلهيًا بعد الموت، وأحيانًا خلال الحياة.

ويرى يان أسمان (Jan Assmann) أن الملك في الدولة القديمة كان:

> “نقطة الالتقاء بين السماء والأرض، حيث لا يُمارس السلطة باسم الإله، بل باعتباره جزءًا من العالم الإلهي نفسه.”

كما يربط زيجفريد مورنتس (Siegfried Morenz) بين بناء الأهرامات وتأكيد الطبيعة الإلهية للملك، معتبرًا أن العمارة الجنائزية الضخمة كانت خطابًا دينيًا وسياسيًا في آن واحد.

---

رابعًا: الأسرة الخامسة وتحول الملك إلى ابن رع

يمثل عصر الأسرة الخامسة تحولًا جوهريًا.

يرى لودفيغ بورخارت (Ludwig Borchardt) أن بروز عبادة رع وتأسيس معابد الشمس يعكس انتقال الملك من كونه إلهًا مطلقًا إلى كونه ابن الإله رع.

ويؤكد نيقولا غريمال (Nicolas Grimal) أن هذا التحول لم يُضعف مكانة الملك، بل أعاد صياغتها ضمن منظومة كونية أكثر اتساعًا، حيث أصبح الملك حلقة في سلسلة إلهية، لا قمتها المطلقة.

---

خامسًا: الدولة الوسطى وإعادة إنسانية الملك

بعد انهيار الدولة القديمة، شهد مفهوم الملكية الإلهية تراجعًا نسبيًا.

يرى أدولف إرمان (Adolf Erman) أن نصوص الدولة الوسطى تُظهر ملكًا أكثر إنسانية، أقرب إلى الرعية، وأكثر وعيًا بحدود سلطته.

كما يشير جون ويلسون (John A. Wilson) إلى أن الأدب السياسي، مثل “تعاليم الملك مري كارع”، يعكس تصورًا أخلاقيًا للملك بوصفه راعيًا عادلًا، لا إلهًا متعاليًا.

---

سادسًا: الدولة الحديثة والملك المختار من الإله

في الدولة الحديثة، استقر المفهوم على أن الملك مختار من الإله لا هو الإله ذاته.

يرى إريك هورنونغ (Erik Hornung) أن هذه المرحلة شهدت توازنًا دقيقًا بين القداسة والإنسانية، خاصة في ظل صعود كهنوت آمون.

ويُظهر هذا بوضوح في نقوش الميلاد الإلهي لحتشبسوت وأمنحتب الثالث، حيث يُؤكد النسب الإلهي دون إلغاء الطبيعة البشرية للملك.

---

خاتمة

يتضح من هذا العرض أن الملكية الإلهية في مصر القديمة لم تكن مفهومًا جامدًا، بل فكرة ديناميكية تطورت بتطور الدولة نفسها.

من الزعيم المقدس، إلى الإله الحي، ثم إلى ابن الإله، وأخيرًا إلى المختار الإلهي، ظل الملك محور النظام الكوني والسياسي، مع اختلاف درجات تأليهه باختلاف العصور.

وتؤكد آراء العلماء أن فهم الملكية الإلهية لا يمكن فصله عن السياق التاريخي، وأن أي قراءة خارج هذا الإطار تؤدي إلى تبسيط مخلّ لحضارة شديدة التعقيد.

ليست هناك تعليقات: