دكتور محمد العوادي
لم تكن التسلية يومًا جريمة، ولا كان الترفيه عيبًا في ذاته. فمنذ وُجد الإنسان، وُجدت حاجته إلى فسحةٍ من الوقت يخفف بها عن نفسه ثقل العمل وهموم الحياة. لكن الخلل يبدأ، لا حين تُقدَّم التسلية، بل حين يُرفَع مقدّموها فوق موضعهم الطبيعي، ويُمنحون ما لا يستحقون من سلطة رمزية ومكانة اجتماعية وتأثير أخلاقي وفكري.
الممثل، والمغني، والرياضي، والبهلوان – على اختلاف مسمياتهم – كانوا في الأصل أصحاب حرفة: يؤدّون عملًا مقابل أجر، يسرّون الناس، أو يثيرون إعجابهم، أو يمنحونهم لحظات نسيان. لا أكثر. لم يكونوا قادة رأي، ولا مراجع قيم، ولا بوصلة وعي. لكننا اليوم نشهد انقلابًا غريبًا في المعايير؛ إذ تحوّل هؤلاء من مجرّد مقدّمي تسلية إلى “رموز”، ومن موظفي إبهار إلى “قدوات”، ومن أسماء عابرة على الشاشات إلى أصنام اجتماعية يُقلَّد كلامها، وتُبرَّر أخطاؤها، وتُمنح حصانة لا تُمنح لأصحاب علم أو فكر أو مسؤولية حقيقية.
والمفارقة المؤلمة أن المبرر الوحيد لهذا الرفع المصطنع هو الشهرة، لا القيمة؛ الظهور، لا الإضافة؛ كثرة الكلام، لا عمقه. صار بعضهم مشهورًا لا لأنه أتقن فنًا، بل لأنه أكثر حضورًا، أعلى صوتًا، أشد حركة، وأمهر في لفت الانتباه ولو بالإزعاج والاستفزاز. وكأن المجتمع – أو قطاعًا واسعًا منه – قرر أن يستبدل معيار الكفاءة بمعيار الانتشار، ومعيار العقل بمعيار “الترند”.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس التسلية ذاتها، بل انتقالها من مجالها الطبيعي إلى موقع الوصاية. حين يبدأ الممثل في إملاء الرأي، والمغني في توجيه الوعي، والرياضي في تحديد ما ينبغي وما لا ينبغي، لا بوصفه إنسانًا عاديًا، بل بوصفه “أيقونة”، هنا يصبح الخلل بنيويًا، لا عارضًا. إذ كيف يُطلب من صاحب موهبة جسدية أو أدائية – مهما بلغت حرفيته – أن يكون مرجعًا في القيم، أو نموذجًا في السلوك، أو صوتًا يُحتكم إليه في قضايا المجتمع؟
وليس الأمر مقتصرًا على هؤلاء وحدهم، بل يمتد إلى جمهور يصرّ، بإرادته أو بكسله الفكري، على صناعة الأصنام، ثم الشكوى من تسلطها. جمهور يصفّق لمن يملأ الشاشات، لا لمن يملأ العقول؛ ويهتف لمن يُضحكه لحظة، لا لمن يبني وعيه عمرًا. خفّة عقل جماعية تُلبس التفاهة ثوب النجومية، ثم تتساءل بدهشة: كيف صارت التفاهة مؤثرة؟
إن رفض رفع شأن أهل التسلية إلى مقام القيادة ليس عداءً للفن، ولا احتقارًا للرياضة، ولا ازدراءً للترفيه. بل هو دفاع عن التوازن، وعن حق كل مجال أن يبقى في حدوده، وكل إنسان في موضعه الطبيعي. فالمجتمع الذي يخلط بين المهرّج والمفكّر، وبين صاحب الصوت العالي وصاحب الرأي الرصين، هو مجتمع يفرّط في مستقبله دون أن يشعر.
وحدهم أصحاب العلم، والفكر، والعمل الحقيقي، ومن يتحملون مسؤولية القرار والتأثير العميق، جديرون بأن يُنظر إليهم بوصفهم قدوات. أما غير ذلك، فمجرد تسلية… مهما كثر التصفيق، ومهما طال العرض.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق