2026-01-16

أوسر كاف





دكتور محمد العوادي 

رأس الملك وسركاف: البدايات الأولى لترسيخ عبادة الشمس في الدولة القديمة

يُعدّ الملك وسركاف مؤسس الأسرة الخامسة وأحد أبرز الملوك الذين شكّلوا منعطفًا حاسمًا في مسار التاريخ المصري القديم. ففي عهده بدأت عبادة إله الشمس «رع» تتبوأ مكانة مركزية على المستويين الديني والسياسي، بعدما غدت العلاقة بين الملك والإله الشمسي محورًا أساسيًا في أيديولوجية الحكم وإدارة شؤون الدولة.

وكان وسركاف أول ملوك مصر الذين وجّهوا نشاطهم المعماري نحو منطقة أبوصير شمال سقارة، حيث ابتكر نمطًا دينيًا ومعماريًا جديدًا تمثّل في «معابد الشمس». وقد شيّد معبده هناك بوصفه مركزًا لتقديس رع وتمجيده، ممهدًا الطريق أمام خلفائه من ملوك الأسرة الخامسة للسير على النهج نفسه وتطوير هذا الطراز الفريد من العمارة الدينية.

ومن أبرز مكتشفات معبد الشمس في أبوصير رأس تمثال للملك وسركاف، يظهر فيه مرتديًا التاج الأحمر، رمز السيادة على مصر السفلى. وقد ظن الأثريون في بادئ الأمر أن هذا الرأس يعود إلى المعبودة «نيت» ربة مدينة سايس، نظرًا لارتباطها الوثيق بهذا التاج. غير أن الفحص الدقيق لملامح الوجه كشف عن وجود شارب نحيف منحوت فوق الشفة العليا، وهو تفصيل فني حاسم أكد أن التمثال يصوّر ملكًا لا ربة، وأنه يعود تحديدًا إلى الملك وسركاف.

وتؤرخ هذه الرأس المصنوعة من حجر الشست إلى فترة حكم وسركاف نحو (2465–2458 ق.م)، وتُعد من أروع الشواهد الفنية التي تعكس دقة النحت الملكي وواقعيته في مطلع الأسرة الخامسة، فضلًا عن قيمتها التاريخية بوصفها وثيقة بصرية لبداية عصر جديد في الفكر الديني المصري القديم.

ليست هناك تعليقات: