مهندس عاصم شاكر
في عالمٍ ازدحمت فيه الأصوات، وتكاثرت فيه المنصّات، صار الكلام سهلًا إلى حدّ الخطر، وصارت الفضفضة — التي كانت يومًا متنفسًا آمنًا — سلاحًا ذا حدّين. فما أكثر ما نبوح، وما أقلّ ما نُحسن اختيار من نبوح لهم.
إن الإكثار من الفضفضة ليس علامة صفاء دائم، بل قد يكون بابًا يُفتح على مصراعيه للخذلان. فالمنصتون ليسوا جميعًا أوفياء، وليس كل من أعارك أذنه منحك قلبه. بعضهم يسمع ليعرف، لا ليواسي؛ ويصغي ليجمع، لا ليحفظ. وحين تتبدّل المصالح أو تنكشف النوايا، قد تتحوّل الكلمات التي خرجت في لحظة صدق إلى سهامٍ تُوجَّه في لحظة خصومة.
وليس السرّ سرًّا إذا خرج من صاحبه. فمن عجز عن حفظ سرّه في صدره، لا يملك أن يلوم غيره إن أفشاه أو أساء استخدامه. فالنفوس تختلف في سعتها، والصدور ليست سواءً في قدرتها على الاحتمال والكتمان. ما تراه أنت أمانة، قد يراه غيرك مادة للحديث، أو ورقة ضغط تُستعمل عند اللزوم.
الحكمة — إذن — ليست في الصمت المطلق، ولا في البوح المطلق، بل في الميزان الدقيق بينهما. أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ولمن تقول، وماذا تقول. فالصمت في بعض المواضع أبلغ من الكلام، وحفظ السرّ أحيانًا أكرم للنفس من طلب التعاطف.
وقديماً قيل: “صدرك أولى بسرّك”، وهي عبارة تختصر تجربة إنسانية طويلة. فليس كل حزن يُحكى، ولا كل وجع يُروى، ولا كل فكرة تحتاج شاهدًا عليها. بعض الأمور خُلقت لتُحتمل في الداخل، لا لأن الإنسان ضعيف، بل لأنه واعٍ.
في زمنٍ صارت فيه الكلمات تُتداول أسرع من المشاعر، تبقى الحكمة ملاذًا آمنًا: قل قليلًا، واحتفظ بكثير، ولا تمنح مفاتيحك إلا لمن أثبت أنه جدير بالدخول… والبقاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق