دكتور محمد الشافعي
عام 2007
دكتور محمد الشافعي
تُعد محافظة السويداء، الواقعة في جنوب سوريا، من أكثر الأقاليم السورية ثراءً بالمواقع الدينية الأثرية، إذ تحتضن منظومة متكاملة من المعابد التي تمثل شاهدًا حيًا على تفاعل حضاري طويل المدى بين التقاليد النبطية والتأثيرات اليونانية والرومانية. ويبرز هذا التفاعل بوضوح في تنوع الطرز المعمارية والزخرفية، وفي استمرارية الوظيفة الدينية للمواقع عبر قرون متعاقبة.
ويأتي معبد بعل شامين في قرية سيع في مقدمة هذه المعابد، بوصفه أضخم المعابد الأثرية في جنوب سوريا وأكثرها شهرة. يقع المعبد شرق مدينة السويداء، ويعود تاريخه إلى القرن الأول قبل الميلاد، وقد شُيّد وفق تصور معماري يعكس بجلاء الامتزاج بين الموروث المحلي والتأثيرات الهلنستية والرومانية. ويتميز المعبد بزخارفه النباتية الغنية، ولا سيما زخارف الكرمة، فضلًا عن العناصر التصويرية والتيجان الكورنثية المتقنة، بما يؤكد انخراط المنطقة في التيارات الفنية السائدة في حوض البحر المتوسط خلال تلك الفترة.
أما معبد حبران، الواقع في قرية حبران، فيعود إلى منتصف القرن الثاني الميلادي، وتحديدًا إلى عام 155م، ويُعد مثالًا واضحًا للمعبد النبطي الخالص. ويتميز هذا المعبد بواجهاته المزخرفة ومعالجته المعمارية التي توفق بين التقاليد المحلية النبطية وبعض العناصر الكلاسيكية، في صيغة معمارية تعبّر عن هوية إقليمية مميزة داخل الإطار الثقافي العام للإمبراطورية الرومانية.
وفي قرية المشنف، شرق المحافظة، يظهر معبد ذو طابع روماني يضم عناصر معمارية وزخرفية لافتة، من أبرزها رأس يُنسب إلى الإله النبطي «ذو الشراة»، وهو ما يعكس استمرار الرموز والمعتقدات الدينية النبطية حتى خلال الفترات الرومانية، وعدم انقطاع الموروث الديني المحلي رغم التحولات السياسية والثقافية.
وتُعد مدينة قنوات من أهم المراكز الدينية في محافظة السويداء، إذ تضم مجموعة من المعابد المكرسة لآلهة يونانية، إضافة إلى معابد ومواضع عبادة مرتبطة بالمياه. ويرجع أحد أبرز هذه المعابد إلى القرن الثالث الميلادي، حيث تنتشر المحاريب المرتبطة بالعبادات المائية في وادي قنوات، بما يؤكد الدور الرمزي والطقسي للماء في الحياة الدينية للمدينة. كما تضم قنوات مبنى الأوديون، وهو مسرح صغير يعود إلى القرن الثالث الميلادي، ما تزال بقايا درجاته المنحوتة في الصخر قائمة، ويعكس ازدهار الحياة الثقافية إلى جانب الدينية.
وفي بلدة عتيل، المعروفة قديمًا باسم «تياندريوس»، تنتشر معابد نبطية تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، وقد أُعيد توظيف أحدها لاحقًا ككنيسة، في دلالة واضحة على التحولات الدينية التي شهدتها المنطقة، وعلى استمرارية استخدام العمارة المقدسة وتكيفها مع المعتقدات الجديدة دون انقطاع عمراني.
وتتجلى خصوصية محافظة السويداء الأثرية في هذا التنوع الحضاري الفريد، حيث تتجاور العناصر النبطية واليونانية والرومانية ضمن نسيج معماري واحد. ويتجسد ذلك في تيجان الأعمدة المزخرفة، والواجهات المعمارية، والأفاريز الهندسية والنباتية، فضلًا عن بقايا التماثيل والنقوش. كما تنتشر في أنحاء المحافظة معابد، ومقابر، وأبراج دفاعية، ما يجعلها إقليمًا بالغ الأهمية لفهم التطور الديني والمعماري في جنوب بلاد الشام.
دكتور محمد الشافعي بصحبة الزميلة ماريا
في المعبد عام 2007
ويُعد معبد زيوس في السويداء، المعروف باسم معبد زيوس «ماجيستوس»، من أبرز المعالم الأثرية الرومانية في المنطقة، ويقع في بلدة قنوات شمال غرب مدينة السويداء، ضمن ما يُعرف بالأكروبول أو المدينة العليا. ويرجع تاريخ المعبد إلى فترة تمتد بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي، حيث شُيّد في الأصل خلال العصر الهلنستي المتأخر، ثم خضع لعمليات تجديد وتوسعة في العصر الروماني المتأخر.
ويتميز المعبد بمنصته الضخمة ومبناه المركزي، إضافة إلى وجود صهريج وخزان مياه كبير أمامه، يعود أصله إلى مقلع حجارة استُخدم في بناء المعبد. وقد كشفت التنقيبات الأثرية الحديثة عن قناة مائية كانت تغذي المعبد وتصب في الخزان، بما يعكس التنظيم الدقيق للبنية التحتية المرتبطة بالعبادة. ويحمل اسم «زيوس ماجيستوس» دلالة على التبجيل الخاص للإله زيوس في هذا الموقع، ويؤكد المكانة الدينية المرموقة التي تمتعت بها قنوات بوصفها إحدى مدن الحلف العشري الروماني، ولا تزال الدراسات الأثرية مستمرة للكشف عن مزيد من معالم هذا الصرح الديني المهم.










ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق