2021-02-01

نهر النيل

 الكاتبة الصحفية دعاء فتحى
           الكاتبة الصحفية دعاء فتحى
عندما غنى محمد عبد الوهاب ( النيل نجاشى.. حليوة أسمر) عام 1933 تعجب المصريون فهم كانوا يعرفون أن النجاشى هو ملك الحبشة لذى أحسن استقبال المهاجرين المسلمين ايام هجرة الرسول عليه السلام لكنهم لم يعرفوا سبب وصف النيل بـالنجاشى والذى فسره مؤلف الأغنية الشاعر أحمد شوقى أن النجاشى فى اللغة الأمهرية يعنى «الحاكم»، وقد وصف النيل بأنه نجاشى لعظيم أثره فى حياة مصر وهنا صدق الشاعر لان النيل بالفعل كان له دوراً بارزاً في نشوء الحضارة المصرية القديمة، فهو شريان الحياة المصرية وقد عرف المؤرخ اليونانيّ هيرودوت مصر بقوله (مصر هبة النيل)وقد نظر المصريون إلى النيل بعين القداسة، واستخدموا مياه النهر للتطهر ولأداء الطقوس الدينية وغسل المتوفى.وكان الاغتسال بماء النيل ضرورة حياتية مصرية كنوع من النظافة والتطهر البدني والروحي، وبرز تقديس النيل من خلال حرص المصري على طهارة ماء النهر من كل دنس، كواجب مقدس، ومن يلوث هذا الماء يتعرض لعقوبة انتهاكه غضب الآلهة في يوم الحساب.و يشير نص قديم إلى أن من يلوث ماء النيل سوف يصيبه غضب الآلهة وأكد المصري في اعترافاته في العالم الآخر ما يفيد عدم منعه جريان الماء درءا للخير، كما ورد في الفصل 125 من نص "الخروج إلى النهار (كتاب الموتى) نقلا عن الترجمة الفرنسية للعالم بول بارجيه ( لم أمنع الماء في موسمه، لم أقم عائقا (سدا) أمام الماء المتدفق ) وفي نص مشابه على جدران مقبرة "حرخوف" في أسوان عدّد صفاته أمام الإله من بينها ( انا لم ألوث ماء النهر...لم أمنع الفيضان في موسمه...لم أقم سدا للماء الجاري...أعطيت الخبز للجوعى وأعطيت الماء للعطشى )و هنا نرى أنه من ضمن الجرائم فى حياة المصرى القديم إقامة سد ومنع جريان الماءكذلك قدّس المصريّون القدماء نهر النيل وعبدوه، وأسموا فيضانه بالإله (حابي) لأنّه أساس وجودهم، فمنه استمدّوا التنظيم في مرافق حياتهم ولقد لقّب المصريون القدماء هذا النهر بعدة ألقاب منها: ربّ الأسماك، وواهب الحياة، وجالب الخيرات، وخالق الكائنات، وربّ الرّزق العظيموقد أوضح باحث اثرى ان الإحتفال ب عيد “فيضان النيل” وهو ما يعرف الان بعيد “وفاء النيل” و هو أحد الأعياد المصرية التى ترجع إلى العهد المصرى القديم منذ سبعة الآف عام, مازال المصريون يحتفلون به حتى اليوم، لم يتغير من الإحتفال شئ سوى أن المصريين لم يعودوا يلقون بعروسِ خشبية في النيل بل إقتصر الأمر على الإحتفال على ضفاف النهر، وكان المصريين القدماء في شهر أغسطس من كل عام يقومون بإهداءه الأضاحي بأشكال وأنواع متعدده، وكان الهدف من ذلك زيادة خصوبة النيل وإنتشار الرخاء وكثرة الزرعوقد دأب الكهنة والمصريون القدماء على ترديد أناشيد وترانيم للنيل عرفانا بقدره ونعمه على الناس، من بين هذه المدائح الدينية نص يعود إلى عصر الدولة الوسطى يقول: "المديح لك يا حعبي، الذي يخرج من الأرض، ويأتي ليعيد الحياة لمصر"، وفي موضع آخر يمدح المصري القديم النيل ويدعوه إلى الفيضان قائلا:(يا مسبب الخضرة، ليتك تأتي. يا حعبي ليتك تأتي إلى مصر يا خالق القرابين، يا مسبب خضرة الضفتين لتعطي الحياة للناس والحيوانات من منتجاتك من الحقول، يا مسبب الخضرة ليتك تأتي) لقد أدرك المصرى القديم أن النيل هو شريان حياته ومن يقترب من ذلك الشريان فإنه يحاول القضاء عليه ولذلك كان يضحى من أجله بالغالى والنفيس ليحقق نظافته وسريانه وفيضانه لذا نجد تلك العبارة منقوشة على جدران مقياس النيل كتبها المصرى القديم( إذا انخفض منسوب النهر فليهرع كل الجنود ولايعودون إلا بعد تحرير النيل مما يقيد جريانه ) فهل المصرى الحديث سيكون أقل وعى من المصرى القديم الذى قدسه ويترك شريان حياته يحاصر من بلد صغيرة أمام حجم مصر وحضارتها ومكانتها فى قلب المنطقة العربية والإفريقية