2026-01-12

ذكري رحيل الغطريف

 


مهندس عاصم شاكر 

بعد مرور شهر و١٢ يوم علي قرار الاطاحة بالغطريف

............

في لحظةٍ نادرة، تحوّل خبرٌ إداريٌّ عابر في ظاهره إلى ما يشبه الحدث المفصلي في وجدان الكلية. تعيين عميدٍ جديد، وانتهاء عمادة العميد السابق بعد تسع سنواتٍ متتالية، لم يكن مجرد تغيير في منصب، بل كان إعلانًا غير مكتوب عن نهاية مرحلةٍ كاملة، طال فيها الجمود حتى ظنه الجميع قدرًا لا يُمس.

تسع سنواتٍ ظل فيها منصب العمادة ساكنًا تحت قبضةٍ واحدة، حتى استبدّ اليأس بالقلوب، وأصبح تحريك هذا الموقع ضربًا من الخيال. لذلك، لم يكن غريبًا أن يُستقبل هذا الخبر بوصفه «حدث العام»، لا احتفاءً بمن أتى، بل ارتياحًا عميقًا لرحيل من كان.

يُقال إن للعميد السابق إنجازات. ويُقال الكثير. غير أن ما أراه – ومعي كثيرون – أن ما يُحسب له إن وُجد، لا يخرج عن كونه نتاجًا طبيعيًا لتسيير مؤسسة، لا فضلًا يُستدعى للتباهي. أما على مستوى البشر، من أعضاء هيئة التدريس، والموظفين، والعمال، فالقائمة تطول… قائمةٌ من السلبيات، وسوء المعاملة، وغياب التقدير، والكيل بمكيالين، حيث لم يكن الجميع سواء، بل كانت هناك نخبة قريبة، تتمتع بكل شيء، فيما تُرك الباقون في دائرة الإهمال والضغط.

زاد الأمر سوءًا شيوع الغش، لا بوصفه ظاهرة طارئة، بل كقاعدة غير مكتوبة، مع غياب العقاب، وغياب حتى التنبيه إلى ضرورة ضبط اللجان. تراكمت الأخطاء، وتراكم الصمت، حتى صار الظلم مشهدًا مألوفًا، والخوف أداة إدارة، والتهديد والوعيد منهجًا ثابتًا، وسيفًا مسلطًا على رقاب الجميع.

لذلك، لم يكن رحيله عاديًا، ولم يكن حزينًا. رحل غير مأسوفٍ عليه. رحل وسط صخبٍ وفرحةٍ عارمة اجتاحت أروقة الكلية. وجوهٌ مبتسمة، تهانٍ متبادلة، شعورٌ جماعي بأن حملًا ثقيلًا قد أزيح أخيرًا عن الأعناق. لم يسأل أحد: من القادم؟ فالسؤال الحقيقي كان: هل رحل؟ وحين جاءت الإجابة بنعم، كفى ذلك.

تسع سنواتٍ من الظلم والقهر وسوء التقدير انتهت. ومعها انتهت حالة الاختناق العام. لا أخفي أن معنوياتي تبدلت من السلب إلى الإيجاب، وأن الأمل عاد فجأة، لا لأن القادم مُنقذ، بل لأن الغائب كان عبئًا.

اليوم، تبدأ مرحلة جديدة، بلا عنجهية، بلا جبروت، بلا شعور بأن الكلية ملكٌ خاص، يُميَّز فيها شخصٌ نفسه دون استحياء. تبدأ الكلية في العودة إلى وضعها الطبيعي… ذلك الوضع الذي غاب طويلًا، حتى حسبناه لن يعود.

وأخيرًا، لا يسعني إلا أن أقول: أحيانًا، يكون أعظم إنجازٍ تشهده مؤسسة، ليس ما يُبنى، بل ما يرحل.

ليست هناك تعليقات: