2026-01-23

الماكينة والصلعاء

 


د.محمد الشافعي 

حدث أمس، قبيل العصر، أن جاءني نبأ نزول الراتب. نبأٌ عظيم في ذاته، صغير في أثره، لكنه كافٍ لأن يستنفر المرء ما تبقى فيه من طاقة. استجمعت قواي، رغم ما بساقي من تعب، وقلت: لا بد من النزول، فالبيوت لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها.

وصلت إلى أول ماكينة صرف قريبة من البيت، فوجدت رجلًا أصلع يقف محتضنًا الماكينة، كأنه يحرس كنزًا أو يواسيها في مصاب جلل. اقتربت، فأخبرني بهدوء مَن سبق التجربة: «مافيش فلوس». شكرته، ومضيت. وكان هذا هو الأقرع الأول… أعني الماكينة الأولى.

توجهت إلى الماكينة الثانية، في الجهة الأخرى، فكان المشهد مكررًا بدقة مقلقة: رجل أصلع آخر، الوضع ذاته، الاحتضان ذاته، والنتيجة ذاتها. قلت له بهدوء: «ممكن أعمل استعلام؟» فإذا بوجهه يتبدل، وتغشاه مسحة حزن عميق، ثم ترك الماكينة كمن يترك صديقًا خذله، وهو يكاد يبكي… نعم، يبكي.

تكرر الأمر عند الماكينة الثالثة. عندها توقفت لا أمام خلو الماكينات من النقود، بل أمام هذا التلازم الغريب: قرعٌ حاضر، ونقودٌ غائبة. وسألت نفسي بجدية ساخرة: هل ثمة علاقة خفية بين الصلع وخزائن الصرف؟ هل هي مصادفة أم قانون كوني لم يُدوَّن بعد؟

ثم تذكرت، بابتسامة مُرّة، أنني أنا أيضًا أصلع. وربما، فقط ربما، كان تلاقي القرعات سببًا كافيًا لهروب الأموال… أو على الأقل، لزيادة شعورنا الجماعي بأن الراتب نزل، نعم، لكنه لم يصل.

ليست هناك تعليقات: