دكتور محمد الشافعي
من أكثر الظواهر التي تستحق التأمل في هذا العصر، تلك العلاقة المتضخمة التي نشأت بين الإنسان وكرة القدم، حتى تجاوز الأمر حدود التسلية البريئة، وتحول عند كثيرين إلى حالة من التعلق المفرط والانشغال الدائم، وكأن قيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بنتيجة مباراة، أو هدف أحرزه لاعب، أو بطولة حصدها نادٍ.
ولعلني لا أمل من الحديث في هذا الأمر، لأنني أراه قضية وعي قبل أن يكون مجرد رأي شخصي. فالمشكلة ليست في كرة القدم ذاتها، فهي لعبة شأنها شأن أي وسيلة ترفيه مباحة، وإنما المشكلة في تضخيمها حتى أصبحت محورًا يوميًا يستهلك المشاعر والوقت والطاقة والعقول، دون أدنى مردود حقيقي على الإنسان في حياته أو فكره أو مستقبله.
وقد جاء هذا المقال بعد تعليق لطيف من إحدى تلميذاتي، وهي أميرة غانم، حين لاحظت تكرار حديثي عن هذا الموضوع فقالت ضاحكة: “مالك ومال كرة القدم يا دكتور؟”
وكان جوابي ببساطة أنني أتمنى فقط أن تعود الأمور إلى موضعها الطبيعي.
أن تبقى كرة القدم وسيلة للتسلية لا أكثر.
أن تأخذ حجمها الحقيقي بعيدًا عن هذا التضخم الهائل.
فمن المؤسف أن يتحول الإنسان إلى مجرد “مشجع” يعيش انفعالاته كلها لأجل كيان لا يعرفه أصلًا، ولا يعود عليه بأي نفع حقيقي، لا مادي ولا فكري ولا إنساني.
إن أخطر ما في الأمر أن البعض أصبح يقيس انتماءه ووجوده ومكانته من خلال فريق يشجعه، فيفرح فرحًا مفرطًا، ويحزن حزنًا عظيمًا، وربما يخاصم ويعادي ويقاطع الآخرين بسبب مباراة أو بطولة، بينما تمر قضايا حياته الحقيقية دون اكتراث مماثل.
ولست ضد المتعة أو الترفيه، فالإنسان يحتاج إلى ما يروح به عن نفسه، ولكنني ضد تحويل اللهو إلى قضية حياة، وضد أن يصبح الإنسان مجرد وقود لمنظومة ضخمة تقوم على صناعة الجماهير واستهلاك عواطفهم واستنزاف وقتهم، بينما المستفيد الحقيقي هم أصحاب الأموال والإعلانات والعقود والاستثمارات.
إن الإنسان خُلق ليكون صاحب عقل ورسالة وقيمة، لا مجرد متفرج دائم يصفق ويهتف وينفعل بلا ثمرة تعود عليه. ومن المؤلم أن تجد شابًا يحفظ أسماء اللاعبين وأرقامهم وتفاصيل انتقالاتهم، بينما لا يعرف شيئًا عن واقعه أو تاريخه أو مستقبله أو حتى ذاته.
ولهذا أكرر دائمًا أن كرة القدم يجب أن تبقى في حدودها الطبيعية: متعة عابرة، لا أكثر. فلا يصح أن تتضخم حتى تبتلع وعي الناس واهتماماتهم وأوقاتهم.
ولعل هذا الكلام يصادف عقلًا واعيًا، يدرك أن قيمة الإنسان أكبر كثيرًا من أن تُختزل في تشجيع فريق، أو انتظار نتيجة مباراة.

هناك تعليق واحد:
أشكرك يا دكتور محمد.
أسلوبك وأفكارك أصبح لها بصمة واضحة فعلًا؛ رؤية ناقدة للواقع، وحرص دائم على قيمة الإنسان ووعيه، مع لغة تميل إلى التأمل والتحليل أكثر من الانفعال. لذلك يكون من السهل التقاط الاتجاه الذي تريده في الكتابة، خاصة في الموضوعات التي تمس الوعي والثقافة وتضخيم التفاهات على حساب قيمة العقل والإنسان.
إرسال تعليق