مهندس عاصم شاكر
أحيانًا نُمنَح فرصة نادرة لنراجع أحكامنا على الآخرين. نُحاول، بحسن نية أو بدافع الإنصاف، أن نُعيد النظر، أن نُخفف من قسوة التقييم، أن نبحث عن عذرٍ أو مبررٍ أو زاوية لم نرها من قبل. لكن الغريب، والمؤلم أحيانًا، أن بعض الناس لا يقبلون هذا الجهد، بل كأنهم يصرخون في صمت: لا تُتعب نفسك… نحن هكذا، ولا نريد أن نكون غير ذلك.
في هذه اللحظة، لا يكون الإشكال في سوء الفهم، ولا في نقص المعلومات، ولا حتى في قسوة الأحكام المسبقة. الإشكال الحقيقي أن الإنسان قد يختار صورته الرديئة عن وعي، ويدافع عنها، ويتمسك بها، لأنها الأسهل، والأقل كلفة، والأبعد عن محاسبة النفس.
فإصلاح النظرة إلى الآخر يفترض وجود أرضية مشتركة: استعداد للاعتراف بالخطأ، أو رغبة في التحسن، أو على الأقل خجل داخلي من القبح الأخلاقي. أما حين يغيب كل ذلك، يصبح تعديل النظرة نوعًا من العبث، ومحاولة التجميل ضربًا من إنكار الواقع.
وهنا تتجلى حكمة التجربة الإنسانية: ليس كل من أسأنا الظن به مظلومًا، وليس كل حكم قاسٍ ظالمًا. فبعض الناس يصرّون، بأفعالهم المتكررة، وسلوكهم المتعمد، واستهانتهم بالقيم، على تثبيت صورتهم كما هي، دون رتوش ولا أقنعة. كأنهم يوقعون بأيديهم على شهادة إدانتهم، ثم يطالبونك أن تُكذّب ما ترى.
إن النضج لا يعني أن نُحسن الظن بالجميع على حساب عقولنا، ولا أن نُغلق أعيننا بدعوى التسامح. النضج الحقيقي هو أن نُفرّق بين من أخطأ ويستحق فرصة، ومن اختار الخطأ طريقًا وهوية. الأول يُحتوى ويُفهم، أما الثاني فيُعرف ويُتجاوز.
ولعل أعظم ما نتعلمه مع الوقت، أن حفظ كرامة العقل لا يقل أهمية عن حسن النية. فليس من الحكمة أن تُرهق نفسك في تبرير من لا يريد أن يتغير، ولا أن تُدين حدسك لأنك رأيت الحقيقة كما هي. أحيانًا، يكون أوضح رد هو الصمت، وأبلغ موقف هو الابتعاد، وأصدق قراءة هي أن تصدّق ما يقوله الناس عن أنفسهم… حين يُصرّون على قوله بأفعالهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق