دكتور محمد الشافعي
الإنسان في لحظات البلاء يُكشَف على حقيقته، وتُزاح عنه الأستار التي كثيرًا ما تخفيها النِّعم ورغد العيش. ففي ساعات العافية قد يغتر المرء بقوته، أو ينسى ضعفه، أو يركن إلى زينة الدنيا فيظن أن الدوام لها. غير أنّ البلاء إذا نزل، أيقظه من غفلته، وذكّره بحدود بشريته، وأعاد إليه وعيه بأنّ فوقه ربًّا مدبرًا حكيمًا لا يغفل ولا ينام.
إنّ الدروس التي يتلقّاها المرء في مدرسة البلاء أبلغ من آلاف العظات في أوقات الرخاء؛ ففي المرض يعرف قيمة الصحة، وفي الفقد يدرك معنى النعمة، وفي الشدّة يتذوّق طعم الصبر، وفي الحرمان يتعلم الرضا، وفي الوحدة يستشعر قيمة الصحبة. وكأن البلاء معلم صارم لا يُجامل، يضع الإنسان وجهًا لوجه أمام ضعفه، ويعرّفه حقيقة نفسه، ثم يفتح له بابًا لليقين والثقة في تدبير الله.
وليس البلاء نقمةً دائمًا، بل هو امتحانٌ تتجلّى فيه معادن الرجال، وتُصقل فيه النفوس كما يُصقل الحديد في النار، فتخرج أصلب عودًا وأشدّ ثباتًا. وفي الشدائد تتمايز القلوب: قلب يجزع ويضيع، وقلب يصبر فيربح، وقلب يرضى فيسمو ويرتقي.
وهكذا، فالعافية تُلهينا أحيانًا بزخرفها، أما البلاء فيُعيدنا إلى أصلنا، يوقظ فينا بصيرةً غُفلت، ويزرع في أرواحنا حكمةً لا تندثر. من هنا صحّ القول: إنّ الإنسان يتعلّم في ساعات البلاء ما لا يتعلّمه في سنين العافية، فهي لحظات قصيرة العمر، لكنها طويلة الأثر، تُغيّر مسار الحياة وتمنحها معنًى جديدًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق