دكتور محمد الشافعي
الحياة – في جوهرها العميق – ليست تراكماً للأيام ولا ازدحاماً للوقائع، بل هي في حقيقتها كلمتان تختصران الوجود الإنساني كله: موقف و ذكرى. فالموقف هو اللحظة التي يكشف فيها الإنسان عن معدنه، والذكرى هي الأثر الذي يبقى بعد أن تنطفئ اللحظة وينسحب الزمن.
المواقف هي الامتحان الصامت للأخلاق. قد يتحدث المرء طويلاً عن قيمه ومبادئه، لكن ساعة الموقف وحدها هي التي تمنح الكلمات معناها أو تسلبها صدقها. في لحظة ضعف، في شدة عابرة، في اختبار خفي لا يراه الناس، يتحدد وزن الإنسان الحقيقي. هناك من يعلو بموقفه فيصير أكبر من الظرف، وهناك من ينكمش فيصير أصغر من ادعاءاته. ولأن المواقف لا تُنسى، فهي البذور الأولى لكل ذكرى تُزرع في قلوب الآخرين.
أما الذكرى، فهي ما يتبقى من الإنسان بعد غيابه. ليست الأموال ولا المناصب ولا الصور المتناثرة في الهواتف؛ بل هي شعورٌ يسكن القلب كلما مرّ طيف صاحبه. ذكرى صادقة لا يداخلها زيف، ولا تشوبها مصلحة، ولا يُفسدها ادعاء. ذكرى تُروى بها الأرواح كما يُروى الظمآن بالماء، لأن فيها حرارة إنسانية خالصة، ونقاءً لا يُشترى.
أغلى ما يتركه إنسان لإنسان ليس عطية مادية، بل أثرًا معنويًا. كلمة طيبة في وقت انكسار، مساندة صادقة في ساعة ضيق، ابتسامة أزاحت ثقلاً عن صدر متعب، موقف شهم حين تخلّى الجميع. تلك اللحظات قد تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تصنع تاريخًا صغيرًا في وجدان من عاشها. وحين تعود الذكرى بعد أعوام، لا تعود بوصفها صورة جامدة، بل إحساسًا حيًا ينبض بالامتنان.
إن أجمل ما في الذكرى الصادقة أنها لا تحتاج إلى تزيين. لا تعتمد على مبالغة ولا على تضخيم. هي جميلة بذاتها لأنها وُلدت من موقف صادق. وكلما استُحضرت، أعادت إلى القلب صفاءه، وكأنها تقول إن الخير – مهما بدا بسيطًا – لا يضيع.
لهذا، فالحياة ليست سباقًا نحو كثرة العلاقات، بل سعيٌ نحو نقاء الأثر. ليست المهمّة أن نمرّ في حياة الناس، بل أن نترك فيها ضوءًا. لأننا جميعًا سنغادر يومًا ما، ولن يبقى منا إلا ما اختزنته القلوب. هناك من يرحل وتغلق الصفحة، وهناك من يرحل وتظل ذكراه نافذة مفتوحة يدخل منها دفءٌ خفيف كلما اشتدّ البرد.
فليكن لكل موقف نقف فيه أثرٌ كريم، ولتكن كل ذكرى نصنعها طاهرة من الزيف. عندها فقط نصير، بحق، حياةً في ذاكرة غيرنا، لا مجرد اسمٍ مرّ عابرًا في سجل الأيام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق