2026-02-26

حين تُبتذل الخصوصية وتقدس التفاهة



 

كتب دكتور محمد الشافعي 

لم تعد حياتنا تُعاش كما كانت تُعاش، بل صارت تُعرَض.

تفاصيل الأمس التي كانت حبيسة البيوت، وستر اللحظات الذي كان يحفظ للناس كرامتهم، أصبح اليوم مادة خامًا تتقاذفها الشاشات في سباقٍ محموم نحو “الترند”. ما كان يُقال همسًا، يُبث الآن علنًا. وما كان يُخفى حياءً، يُنشر طلبًا للإعجاب والمشاهدة.

لقد تحولت وسائل التواصل إلى مسرحٍ مفتوح، لا ستار فيه ولا فاصل بين الخاص والعام. أتفه الأخبار تجد طريقها إلى الصدارة، وأصغر التصرفات تُضخَّم حتى تصير قضية رأي عام. لم يعد معيار القيمة هو العمق أو الفائدة، بل سرعة الانتشار وعدد المشاهدات. وهكذا غدت التفاهة صناعة، وصار الضجيج بديلاً عن المعنى.

والأخطر من ذلك أن الفضائح لم تعد تُستقبَح كما كانت؛ بل أصبحت سلعة رائجة. هناك من يترصّد الزلات، ويبحث عن العثرات، ويتلذذ بنشر السقوط الإنساني وكأنه إنجاز. يُصوَّر الخطأ قبل أن يُنصح صاحبه، ويُنشر العيب قبل أن يُستَر. ومع كثرة التكرار، تتبلد الحواس، ويُؤلَف الشاذ، حتى يُخيَّل للناس أنه طبيعي، ويُعاد تشكيل الوعي العام على مقاييس مختلة.

الإنترنت في ذاته أداة، ووسائل التواصل في أصلها وسائل، لكنها حين تُنزَع من سياقها القيمي وتُدار بعقلية الربح والانتشار فقط، تتحول إلى ماكينة ضخمة تعيد إنتاج السطحية وتغذيها. صار كل هاتف كاميرا متحفزة، وكل لحظة قابلة للاجتزاء والاقتطاع من سياقها لتُقدَّم مشهدًا مثيرًا يجلب التفاعل، ويجلب معه المال.

وليس الأمر مقصورًا على من يصوّر وينشر؛ بل يمتد إلى جمهورٍ يطلب المزيد، ويتابع بشغف، ويمنح التفاهة شرعيتها بالضغط والمشاركة. فالترند لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه جماهير تتواطأ – بوعي أو بغير وعي – على رفع ما لا يستحق، وإهمال ما ينفع.

إننا أمام مفترق طرق أخلاقي. فإما أن نستعيد معنى الخصوصية، ونردّ الاعتبار للستر، ونعيد تعريف النجاح بعيدًا عن عدد المشاهدات؛ وإما أن نستسلم لدوامة الاستعراض الدائم، حيث تُقاس قيمة الإنسان بقدر ما يكشف لا بقدر ما ينجز، وبقدر ما يُثير لا بقدر ما يُصلح.

إن التقنية لن تتراجع، لكن وعينا بها يمكن أن يتقدم. والمسؤولية لم تعد فردية فحسب، بل مجتمعية: مسؤولية تربية، وإعلام، وقانون، وثقافة عامة. فالحياة ليست عرضًا مستمرًا، والكرامة ليست مادة للاتجار، والستر – مهما تغير الزمن – يظل قيمة لا يجوز التفريط فيها.

ليست هناك تعليقات: