2026-02-15

حين يختلُّ ميزان التقدير

 


دكتور محمد الشافعي 

ليست كل الخصومات صاخبة، ولا كل الكراهية قابلة لأن تُروى على الورق. فبعضها يولد من تراكمٍ طويل، ومن احتكاكٍ يوميٍّ يُنهك الروح ويستفزّ الضمير، حتى تغدو الكلمات أقلَّ من أن تحمل ما في الصدر من ثِقل.

ثمة أنماط بشرية لا تكتفي بالحضور، بل تسعى إلى احتكار المشهد. تتقن صناعة الصورة، وتُحسن إدارة الانطباع، وتُبالغ في تضخيم الذات حتى تبدو في أعين بعضهم أكبر مما هي عليه في الحقيقة. هي شخصيات تعيش على الضوء، وتقتات من الإعجاب، وتستمد قوتها من كثرة الالتفات إليها، سلبًا كان أو إيجابًا. وكلما خفت بريقها، بحثت عن وسيلةٍ جديدة لإعادة إشعال المشهد حولها.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود هذا السلوك، بل يتفاقم حين يجد من يصفّق له ويمنحه شرعيةً مصطنعة. إذ تنجذب بعض الطالبات إلى هذا النموذج لا لعمقٍ علميٍّ راسخ، ولا لتميّزٍ معرفيٍّ صادق، بل لما يُجيده من لفت الانتباه، وإيهام الآخر بخصوصيةٍ زائفة، وبناء علاقةٍ تقوم على الاستعراض أكثر مما تقوم على الرسالة. فيتحول الإعجاب إلى ولاءٍ عاطفي، ويتحوّل الولاء إلى موقفٍ متحيّز، يبلغ أحيانًا حدَّ النفور من بقية الأساتذة، لا لقصورٍ فيهم، بل لأنهم لم يسلكوا المسلك ذاته، ولم يُنزِلوا العلم من مقامه إلى دائرة الاسترضاء.

وهنا يختلُّ ميزان التقدير.

يُكافأ الصوت الأعلى لا الأعمق، ويُفضَّل الأداء المسرحي على الجهد الصامت، ويغدو الانبهار معيارًا، بينما يتراجع الاتزان والرصانة إلى الصفوف الخلفية. إنها مفارقة موجعة أن ترى من يُجيد تسويق ذاته يُحاط بهالةٍ من القبول، في حين يبقى المخلصون لرسالتهم بعيدين عن دوائر التصفيق.

ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذا المشهد ليس وجود هذا النموذج، ولا التفاف بعضهم حوله، بل الأثر الذي يتركه في النفوس المخالفة له. فحين يتحول النفور إلى كراهيةٍ مطلقة، ويتسع الرفض ليشمل الاسم والظلّ والصدى، فإن المشاعر تكفُّ عن كونها ردَّ فعلٍ طبيعي، وتتحول إلى عبءٍ داخليٍّ يستهلك صاحبه أكثر مما يُصيب غيره.

لسنا مطالبين بتزكية من لا نستحقّ تزكيته في نظرنا، ولا بقبول ما نراه خللًا في السلوك أو القيم. لكننا مطالبون بأن نحفظ لأنفسنا صفاءها، وألا نسمح لمشهدٍ مضطرب أن يزرع في داخلنا اضطرابًا دائمًا. فالشخصية التي تعيش على ردود الأفعال، سواء كانت إعجابًا أو خصومة، لا يُضعفها شيء بقدر ما يُضعفها التجاهل الواعي، والثبات الصامت، والعمل الذي لا ينتظر تصفيقًا.

إن الزمن كفيل بأن يُعيد ترتيب المشهد.

فالوهج المصطنع يبهت، والصوت المرتفع يخفت، أما القيمة الحقيقية فتبقى، ولو تأخر الاعتراف بها. وفي نهاية المطاف، ليس السؤال: من يُحَبّ اليوم؟ بل: من يبقى أثره غدًا؟

وحين ندرك أن اتزاننا أغلى من خصومتنا، وأن صفاءنا أسمى من أن يُرهَن لشخصٍ أو موقف، نكون قد تجاوزنا دائرة الانفعال إلى مساحةٍ أرحب، حيث يحكم العقل، ويهدأ القلب، ويستقيم الميزان.

ليست هناك تعليقات: