كتب دكتور محمد الشافعي
هناك لحظات في حياة الإنسان لا تُقاس بطولها، بل بعمق أثرها؛ لحظات تنقلب فيها الموازين، وتنكشف فيها الوجوه، وتسقط الأقنعة كما تتساقط أوراق الخريف عند أول ريح عاتية. قد نعاشر الناس أعوامًا طويلة، نتبادل معهم الضحكات والمجاملات، ونحسبهم جزءًا راسخًا من دوائرنا الآمنة، غير أن حقيقة معدنهم تظل كامنة تحت سطح الأيام الرتيبة، لا يفضحها إلا امتحان عسير.
المحنة ليست مجرد ضيق عابر، بل هي غربال دقيق، تمرّ خلاله النفوس فتتمايز. إنها كوهج النار الذي يذيب الصدأ عن المعادن، فيبقى الذهب ذهبًا، ويظهر الزيف زيفًا. عند الرخاء تتشابه الأصوات، وتتعانق الكلمات، ويكثر المدّعون للوفاء؛ أما عند الضيق، فتقلّ الجموع، ويخفّ الصخب، ولا يبقى إلا من كان حضوره نابعًا من صدقٍ لا من مصلحة، ومن محبةٍ لا من منفعة.
ولذلك صدق الشاعر حين قال:
جزى الله الشدائد كل خيرٍ
عرفتُ بها عدوي من صديقي
فالشدائد، على قسوتها، معلمةٌ حكيمة. هي لا تمنحنا الألم فحسب، بل تمنحنا البصيرة. تعيد ترتيب دوائرنا، وتكشف لنا من كان يسير معنا حقًا، ومن كان يسير بجوارنا ما دامت الطريق ممهدة. إنها لحظة انكشاف، لكنها أيضًا لحظة تطهير؛ تطهير للعلاقات من شوائب المجاملة، وتطهير للنفس من أوهام الثقة العمياء.
وكم من إنسان ظنّ في غيره النصرة، فلما اشتدّ عليه الخطب وجده أول المنصرفين، وكم من شخص حسبه عابرًا في حياته، فإذا به السند الثابت حين تميل الجدران. وهكذا تُعيد المحن تعريف القرب والبعد، لا بمعيار الكلمات، بل بمقياس المواقف.
إن التجربة الإنسانية تثبت أن القلوب تُختبر بالفعل لا بالادعاء، وأن الوفاء لا يُعلن عن نفسه في ساعات الاحتفال، بل يتجلى في ليالي الضيق، حين يكون الوقوف إلى جانب الآخر كلفةً لا مكسبًا. هناك، فقط، تتحدد القيم، ويظهر الصفاء من الكدر.
لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى الشدائد بوصفها نقمة خالصة؛ فهي وإن آلمت، فقد كشفت، وإن أوجعت، فقد أنضجت. هي مرآة صافية تعكس لنا حقيقة من حولنا، بل وحقيقة أنفسنا أيضًا. ففي خضم المحنة، لا نكتشف الآخرين وحدهم، بل نكتشف مقدار صبرنا، وقوة احتمالنا، وصدق مبادئنا.
وهكذا تمضي الحياة بين رخاء يكشف ظاهر الناس، وشدة تكشف جوهرهم. وبينهما يتعلم الإنسان درسًا لا يُنسى: أن المعادن لا تُعرف ببريقها العابر، بل بثباتها في النار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق