كتب دكتور محمد الشافعي
أكثر الناس حظًّا في هذه الحياة ليس من كثرت أمواله، ولا من اتسعت مناصبه، بل ذاك الذي رزقه الله إنسانًا سويًّا في مسيرته الإنسانية. إنسانًا مستقيم الطبع، واضح الملامح، صادق السريرة، لا يعرف الالتواء ولا يُجيد ارتداء الأقنعة، ولا يسلك الطرق الملتوية للوصول إلى غاياته.
الإنسان السوي هو الذي تتطابق أقواله مع أفعاله، فلا يقول ما لا يفعل، ولا يُظهر غير ما يُبطن. هو من لا يعرف الكذب سبيلًا، ولا يتخذ الغدر حيلة، ولا يرى في الخيانة ذكاءً أو فطنة. يمضي في حياته بخطى ثابتة، مؤمنًا بأن الاستقامة ليست ضعفًا، وأن الصدق ليس سذاجة، بل قوة أخلاقية نادرة في زمن كثرت فيه التبريرات وقلّت فيه المبادئ.
هذا الإنسان حافظ على نقائه الداخلي، وصان نظافته النفسية من التلوث بالحقد والأنانية وسوء النية. لم يسمح لقسوة الواقع أن تُفسده، ولا لضغوط الحياة أن تنتزع منه جوهره الإنساني. ظل نقيًّا كما أرادته فطرته الأولى، يرى الخير قيمة لا شعارًا، والحق طريقًا لا خيارًا مؤجلًا.
وجود هذا النوع من البشر في حياتنا نعمة لا تُقدَّر بثمن، لأنه يمثل مرآة صافية نرى فيها أنفسنا دون تزوير، ونستعيد بالقرب منه إيماننا بالإنسان وبالخير الممكن. لذلك، إذا ساق الله إلينا إنسانًا سويًّا، وجب علينا أن نحافظ عليه، وأن نُحسن إليه، وأن نتمسك به في عالم سريع التقلّب، لأن خسارته ليست خسارة شخص، بل خسارة قيمة، وخسارة معنى، وخسارة أمان إنساني نادر.
فالإنسان السوي ليس مجرد رفيق طريق، بل هو أحد أثمن مكاسب العمر، ومن يفرّط فيه، كأنما فرّط في جوهر الإنسانية ذاته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق